من الصفحة الأخيرة

من الصفحة الأخيرة أستوحي بعض الكتابات بعد أن أصبحت الصّفحات الأو للصّحف مقابر رسمية للبشر وللأفكار وللطموحات والاَمال، وعلى تنوّع ما في الصفحات الأخيرة مما لا يبتعد عن الكدر، إلاّ أنه كدرُ محتمل، بجانب باقات من الإنجازات العلمية، والطرائف المسلّية، والمواقف النبيلة لرجال ونساء يحترمون العدالة ولا يتواطؤون مع الفساد الذي أصبح إحدى الصفات البشعة في عالم متوحش يعبد الدّرهم والدينار والدولار، ولا علاقة له بالسماء والمُثل العليا.

ومن ذلك ما نشرته صحيفة (إندبندنت أون صنداي) اللّندنية حول إجبار جامعة بريطانية بارزة على إعادة اَثار عراقية مسروقة بعد أن زجّت بنفسها في موقف محرج بسبب هذه الاَثار! ! واضحُ أن تعبير (زجّت بنفسها) هو من بين مخارج القول لتخفيف سوء النية والضّحك على الذقون لأن (جامعة كلية لندن) الشهيرة ليست مراهقة تمتّ مراودتها عن نفسها فانساقت دون وعي، وهي إذا كانت تعلّم تلاميذها البحث العلمي وإحسان وضع السؤال، فحريّ بجهابذتها أن يكونوا القدوة، ولكنهم كما يبدو قدّروا أن العراق بلد مستباح ينطبق عليه المثل العربي (أنا الغريق فما خوفي من البلل) فأخذوا مجموعة تبلغ 654 قطعة أثرية فقط لا غير تعدّ أضخم مجموعة من نوعها في العالم، فكانوا بذلك كمن يسرق قطيع جمال في وضح النهار مدّعياً أن الجمال تعرف الطريق في الصحراء وهو تائه وأن نواياه حسنة لأن الجمال بعد إيصاله ستعود من تلقاء نفسها.

 

(دا كلام؟) مع الاعتذار للست أمّ كلثوم طيّب الله ثراها، امّا الرواية المدخولة والمغشوشة فعذر أقبح من ذنب، إذ ادّعى النرويجي (مارين شوين) وهو معروف بجمع القطع الأثرية النادرة- يعني أنه من صيادي الثروات في هذا المجال- أنه اشتراها من أردني ادّعى أن عائلته امتلكتها منذ أجيال، وعلى وجه التحديد منذ 70 عاماً، أي عندما كانت عمّان قرية كما روى ذلك الروائي الراحل عبدالرحمن منيف الذي قضى طفولته في عمّان.

 

إذاً فمن ادّعى أمراً إدّا وجب له ولا داعي لأن يثبت صحّة ما ادّعاه وهذا تشريع مبتكر ومريح للسّرقات وللّصوص الّذين يتاجرون بالحضارة ومقتنياتها النّادرة، مع أن القصّة هي من النتائج المرّة للغزو الأمريكي البريطاني الذي أباح الدولة العراقية وممتلكاتها للّصوص وقطّاع الطرق وصائدي الثروات حول العالم، ولعلّنا نتذكر النّهب المنظم والعشوائي للمتحف الوطني العراقي في بغداد فيما الجنود الأمريكيون يتفرجون، وقد تحدّث أحد الذين أسندت إليهم إعادة تأهيل العقل العراقي على الطريقة الأمريكية مشيراً إلى أن تدمير الجامعات والمعاهد والمدارس والمتاحف ونهبها كان أعظم عامل ساعده على مباشرة مهامه فليس هناك ماهو أسهل وأمتع على حد قوله من أن تبدأ عملك من الصفر دون وجود مخلفات للماضي مما يمكن أن يعوق عملية الولادة الجديدة، ويبدو أن نظرية (الفوضى الخلاقة) التي روّج لها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع سيىء الصّيت، والحسناء المتجهمة كوندوليزارايس وزيرة الخارجية، وعتاة المحافظين من ديك تشيني الى أمير الظلام بيرل إلى وولفووتيز، قد كانت تهيئة للمرحلة الثانية من إعادة إنتاج (الشرق الأوسط الكبير) على النمط العراقي الذي دشّنه المندوب السامي الأول في بغداد بول بريمر، لولا أن ساخت قوائم الإبل في صحارى العرب التي أعجزت عنترة بن شداد قبل أن تعجز جورج بوش .

 

وقد تساءل البروفيسور كولين ونفرد من جامعة كمبريدج: كيف لم تسأل جامعة كلية لندن نفسها السؤال الأبسط وهو (كيف يمكن أن تبقى هذه المجموعة 70 سنة في الأردن من دون أن يعلم بها أحدّ؟ لقد خضعت الجامعة للضغط الأكاديمي بمجّرد تهديدها بالمقاضاة، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال، أمّا الذين يدمّرون حضارتهم في العراق فيبدو أنهم لا علم لهم بالموضوع برُمته فلم يظهروا في الصّورة حتى اللحظة. . والله أعلم.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s