لو أنصفت الدنيا

لو أنصفت الدنيا لما ساوت بين غير المتساوين لمجرّد حصولهم على ورق، أو ما نسميها (شهادات)، فالكثيرون من الحاصلين على الإجازات العلمية لا علم لديهم إلاّ (طشاش )، وهذه إحدى المشاكل المستّعصية للتعليم ب (الجملة)، وإذا كان المعلم من نمط المتعلّم، فمن أين يأتي الفلاح؟ وطالما أصبح حديث (الجودة) الشغل الشّاغل للسوق في ظل المنافسة الحرّة فإن ذلك يستلزم إعادة ضبط الموازين في مخرجات التعليم، وإعادة تصنيف المراتب على ضوء المعرفة النظرية والأداء العملي ولمعان الموهبة التي يتمتّع بها بعض الناس حتى يصلوا إلى مرتبة العلماء، فيما بعض زملائهم لا يكاد يصل إلى مرتبة (المطّلع) ناهيك عن المتفلسف والمجتهد، وقد لاحظت ذلك عن حق نقابة المهن الطبّية الألمانية حيث تبيّن لها من مراجعة الإحصائيات أنّ بعض الأطباء يحوزون نسبة عالية جدّاً في دقة التشخيص وتوصيف الأدوية وضبط الجراحات وبعضهم الاَخر(حيّا الله) من أولئك جُلّ وصفاتهم مهدّئات، أماّ البعض الثالث فخطر مميت فهم عونُ للّداء على المريض المسكين، لا عن سوء نية أو ميول إجرامية – لا سمح الله- وإنّما عن جهل وكسل وعدم متابعة لتطور المهنة، في عالم يتبدّل بين عشية وضحاها، مما يجعل عمل هؤلاء يقترب من عمل الدجالين دون أن تكون لديهم فراستهم، لذلك قررّت النقابة الموّقرة تصنيف العيادات على نمط الفنادق: الفاخر جداً جداً سبع نجوم والفاخر جداً خمس نجوم، وهكذا دواليك وصولاً إلى النجمة الواحدة بعد استبعاد السّقط، على أن تُعلّق لافتات بارزة للجمهور بهذا التّصنيف ليعرف المريض مع من يتعامل (وذنبه على جنبه) ويحقّ لعيادات الدّرجات العُليا رفع أجورها بما يتناسب. وفي نيودلهي قرّر القضاة في المحكمة العليا بالعاصمة إرسال القاضي (تيواري) إلى كلية القانون للدراسة مجدداً بعد أن انزعجوا من كثير من أحكامه الخاطئة، وقد كتب القاضي بالمحكمة العليا (في. بي. غوبتا) في مذكرة تفسيرية: (بما أن تيواري ليست لديه حتى المعرفة الأساسية في القانون الجنائي وإجراءاته فسيكون من الملائم أن يلتحق بدورة مراجعة لدى أكاديمية نيودلهي القضائية). هذا القاضي وجد من يردعه لأن رائحته فاحت، والسّؤال هو كيف نال شهادته؟ وكم من الضحايا سقطوا نتيجة أحكامه؟ والمشكلة الأكبر هي رئاسة الفاشلين لمن هم أعلم منهم، فهؤلاء يكون عندهم نقص ُ مركّب لأنهم يدركون بحاسّة السّارق لدور غيره أنّ تحت أيديهم مَنْ هو أدرى، ولكي لا يتبين الحق من الباطل، يعمدون إلى خلط كل شيء حتى يكون العمل والإنجاز اَخر ما يتم التفكير فيه، ولك أن تتصوّر حالة دائرة أو شركة من هذا القبيل، إنها تمشي – بحمد الله- إلى الوراء حتى تصل إلى الهاوية وإن كانت محظوظة فإلى حافتها حيث قد تمتد إليها يدُ منقذة. وهنا تبدو مسؤولية الحكومات جدّ خطيرة لا تحتمل الهزل ولا خُزعبلات (أهل الكفاءة وأهل الثقة) التي حكمت العالم العربي ردحاً من الزمن، فأبعدت الكفاءات وأحرقت أهل الثقة بنيران أخطائهم، فالدولة هي الضّابط العام لحياة الشعب وهي بمثابة الرأس إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت ينطبق عليها المثل (فالج لا تعالج). . ولذلك ينبغي أن يكون على الدولة ومؤسساتها رقباء من ذاتها يقيّمون العمل وجودة الأداء وقانونيته إضافة إلى نظافة اليد والشفافية والتبسيط، علماً أن القطاع الخاص يحذو حذو الدولة وقابليته للتصحيح عالية جداً لأنّه يجد حافزه في عوائده ويدرك أنه سيدفع ثمن أي انحراف، امّا انحراف منتسبي الدولة فمن جيوب غيرهم إلى جيوبهم، فهم يتربّحون من الانحراف ولذلك يدمنون الفساد حتى اَخر قطرة في الضّرع الحلوب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s