متاعب صاحبة الجلالة…

ما من صاحب مهنةٍ يؤدّي عمله بإخلاص يمكن أن يُحاكم بسبب ذلك إ الصحفي، فإنّه كلّما اشتدّ إخلاصه تعرّض للمخاطر تحت شتّى الحجج والمبّررات الواهية، وقد عمد المشرّعون لقوانين النشر إلى تلغيم تلك القوانين بمتفجّرات تُستخدم عند الحاجة للإدانة والحبس وترهيب الوسط الإعلامي بسيف السّلطة الّذي يسنّه ويحدّه- من الحدادة- ويستعرض به وكلاء النيابة والمحامون المكلّفون، فيما القضاة يقفون حائرين بين ضمائرهم وبين النّصوص ، وفي العموم فإن القاضي يحكم بالنص وليس بقناعاته التي عليه أن يضعها خارج المحكمة، وحتى محامي الدفاع فإنه لا يستطيع المرافعة خارج النص القانوني الملُزم وإلاّ عُدّ مارقاً، ذلك أن النّص يشبه العقد بين المتعاقدين ولذلك يقال (العقد شريعة المتعاقدين) أي أنه مرجعهم عند الخلاف وعند إصدار الحكم، ومن هنا وجبت إعادة النظر في النّصوص ومحاكمتها على ضوء المبادئ الدستورية التي تؤكدّ ضمان حرّية الرأي، ولن تكون هناك مثل هذه الحرية إذا لم يتسنّ الحصول على المعلومات الصحيحة حول أيّ أمر من الأمور العامّة الواقعة على عاتق أجهزة الإعلام كسلطة رابعة تُراقب أداء السلطات الثلاث، وعادة فإنه للوصول إلى الحقيقة في بلدان لا تلتزم الشّفافية ثمّة صعوبات، فالصحافي يجري أحياناً وراء المصادر كما يجري العطشان في الصحراء وراء السّراب، وهناك في جهات القرار المالكة للمعلومات من تمرسّوا بتضليل الإعلام أو إيهامه أن كل شيء على ما يرام والحمد لله، وأنه لا داعي لهذا التعب في معرفة تفاصيل لا جدوى من ورائها، وقد يقع الصحفي قليل المراس ضحية تسريبات يتّضح فيما بعد عدم صحتها، وهنا على الوسيلة الإعلامية تصحيح ما تنشره بصورة لا لبس فيها، كما أنها ملتزمة بحق الرّد في كل موضوع تتعدد فيه وجهات النظر أو يتم تصحيح وتسليط الضوء على بعض مفرداته المعلوماتية. هذا فيما يتعلق بالعمل الصحفي السليم الذي يحتمل الإصابة في مجمله والغلط المهني العرضي في بعض ما يتناوله بالرأي أو بالخبر، علماً أن الخطأ المهني جائز في كل الأعمال بما فيها الصناعية التي تنهض بها الاَلات كصناعة السيارات، ولم نسمع أن الشركات تقاد إلى المحاكم لخطأ صناعي إلاّ أنها تسحب منتجاتها من الأسواق لتصحيحها، إلاّ إذا أصابت بالضرر المستهلكين فتعّوضهم، وكل هذه الأخطاء تقع ضمن حسن النية وعدم التعمد بالإضرار، ولكن، وكما في الحياة، يوجد في عالم النشر- وهو الاستثناء الذي لا يقاس عليه- ثلّة من البشر يتعمّدون، وأكرر (يتعمّدون) اختلاق الوقائع والقذف وتشويه السمعة والابتزاز مثل تلك الصحافة التي تسمي نفسها (ادفع بالتي هي أحسن) وهؤلاء يبنغي أن يحاكموا لا بقوانين النشر وإنما بالقوانين الجنائية التي يحاكم بها أمثالهم في الحياة الواقعية لأنهم دخلاء على الإعلام والصحافة، فهم كالطفح الجلدي، وتلك المتسلقات التي تعيش على حساب الأشجار ذات الأصول الثابتة والفروع السامقة.

والقاعدة أنّ الدول والحكومات الديمقراطية هي التّي تحمي حرّية الإعلام وتتحمّل نصيبها من النقد بل وتعتبره تنويراً لها وكشفاً للخلل في حياة المجتمع والإدارة، بل إنها تسّنّ القوانين الملزمة للشّفافية وتسهيل الوصول إلى المعلومات لتضمن حياة صحيّة للعقل الاجتماعي والضمير الوطني، فما من درع حام للوطن أعظم من مواطن واعٍ، ولكن الأمور قد تسير معكوسة فتضع الحكومة نفسها في موضع العداء للصحافة وتستخدم نفوذها ونقودها وأزلامها لوأد الحرية. وهذا ما نشاهده في محاكمات الصحفيين لأنهم أدّوا مهنتهم بإخلاص ولم نسمع حتى الاَن إلاّ بمسؤول عربي واحد منع حبس الصحفيين بسبب أدائهم عملهم المهني هو صاحب السمو محمد بن راشد اَل مكتوم فهل نمنّي أنفسنا بأن الحبل على الجرّار.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s