كالعيس في البيداء

عليك أن تغمض عينيك مؤقتاً عن الزوابع الرملية التي تثيرها التيارات السياسية المتدافعة حول العالم بما في ذلك الحروب الساخنة والباردة والبين بين، وأن تلتفت إلى الجهة الأخرى الواضحة الرؤية حيث توجد الفتوحات العلمية والإبداعات التطبيقية والثورات الاقتصادية ومقاييس الجودة في الانتاج كماً وكيفاً وكما أن للحروب والزوابع الرملية رجالها وجيوشها فللعلوم الإبداعية والانقلابات الاقتصادية رجالها وجيوشها.

البلهاء وحدهم واقفون على الطرقات والشواطئ يعدون العربات العابرة والبواخر الماخرة ويخمنون ما تحمله ثم يأوون مع الظلام إلى أكواخهم ليحلموا بثروات من دون عمل تأتي بها الزوابع أو يحملها الموج، وإذا ما تأملت في لوائح الموالاة والمعارضة في بعض البلدان المنكوبة الفاشلة تجد نفسك أمام مجاميع احترفوا مضغ الكلام حتى لتعافهم نفوس معشوقات المتنبي اللاتي قال عنهن:

أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها

مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

ولا خرجن من الحمام مائلة

أوراكهن صقيلات العراقيب

تمر السنون تتبعها السنون وهؤلاء السادة يلعبون السياسة بطريقة وضع العصي في العجلات فإذا ما نجحوا في إيقاف مركبة تحركت بعد لأي صفّقوا فرحاً لمهارتهم، إنهم يفكرون في هدم العمارة قبل أن تبنى وفي ليّ ذراع الفكرة قبل أن يستوعبوها، وفي أكل رأس المال قبل أن يفتتحوا الدكان بشر غريب كزبد الموج الذي يذهب جُفاءً ولا ينفع الناس في شيء إن قوتهم تكمن في قدرتهم على إيذاء الخصم أو تشويه سمعته أو الانتقاص من مكانته، ورغم أن الديمقراطية المفصلة على عالم أكثر نضجاً تجيز مثل هذا الغثاء إلا أن المحصلات كارثية وأبسطها أن البلدان المبتلاة تفقد قدرتها على التقدم إلى الأمام كما تسود البلبلة الرأي العام الذي لا يعرف من يصدق، وهكذا تحل الشائعة محل المعلومة، وتحل البومة محل الطائر المستكشف أو “الهدهد” ويطمح الناس إلى رفاه في جنة لم تُبن على الأرض، ويتناسون أن الأوطان تبنى بالعرق والتضحية والتعاضد وإذا احتاج الأمر إلى شد الأحزمة على البطون، على أن تكون هذه التضحيات في سبيل أهداف واضحة شفافة لا أن تذهب إلى مستفيدين ينصبون فخاخ الفساد لآمال الناس فيشيعون اليأس بدلاً من الأمل ويقيمون الخرائب بدلاً من العمران المستنير.

الكثير من الشعوب تعاني ويلات الفقر وما يترتب عليه من الدواهي العظام لأنها لم تجد من يرشدها ويأخذ بأيديها إلى طرق النجاح المجربة علماً أنها قد سبقتها شعوب رحلت من الفقر إلى الغنى ومن العسر إلى اليسر، ومن قادة الرأي العام الغوغائيين إلى قادة متوازنين يأكلون بالمعروف ويتحدثون بالمعقول ويحلمون بالمقبول والمقدور عليه، ذلك أن من أراد البناء يبدأ من الأساس وليس من الطابق العاشر أو الطابق المئة، وعجلة الإبداع إذا انطلقت بصورة صحيحة لا تعرف التراجع فما من بلد يخلو من ثروات طائلة تغطي احتياجاته وتفيض وفي مقدمتها عقول أبنائه وأذرعهم وخيالهم الموجه وثروات ما فوق الأرض وما في بطنها حتى لا يكون حالهم كالعيس:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

والماء فوق ظهورها محمول

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s