اليوم… وليس غداً…

لا أدري كيف سمح «لي بُولينجر»، رئيس جامعة «كُولومبيا» في نيويورك، لنفسه بالانحدار إلى مُستوى «أولاد السُّوق»، حين أخذ يُوجِّه الشتائم المُقذعة – التي لا يتفوَّه بها أيّ «جنتلمان»، ناهيكَ عن أُستاذٍ جامعيٍّ يترأَّس إحدى أشهر جامعات العالم – لرئيس دولةٍ زائر، هُو «أحمدي نجاد»، وهُو ضيفه وضيف طلبته في الوقت ذاته، حيثُ وصفه بأنَّه «ديكتاتورٌ عنيفٌ وحقير»، وخاطبه بمُنتهى الصفاقة الاستفزازية بالقول : «حين تحضر إلى مكانٍ كهذا، فإنَّكَ بكُلِّ بساطة، تجعل من نفسكَ مهزلةً، فإمَّا أن تكون استفزازياً وَقِحَاً أو عديم التهذيب إلى حدٍّ مُذهل».

لقد بَدَتْ المسرحية المُنعقدة في الهواء الطلق أشبه بكمينٍ ساذجٍ نصبه «لي بُولينجر» للرئيس الإيراني ليشتمه أمام الملأ، مُسجِّلاً بُطولةً بهلوانيةً زائفةً ومأمونة العواقب، وهذا فعلٌ جبان.

وبالنسبة للناس، الذين يحترمون أنفسهم ويُقدِّرون المسؤولية في أيِّ موقع، فإنَّ «بُولينجر» قد شتم نفسه وحقَّر منصبه وقدَّم مثلاً سيِّئاً لطلبته وأساتذتهم، مهما كانت مُبرِّراته، وهُو نموذجٌ للأحمق الذي قد يكون معه بعض الحقّ، فيعمل جاهداً ليكون على الباطل.

وفي تقديري أنَّ «أحمدي نجاد»، الذي تمالك أعصابه، قد خرج مُنتصراً من هذا الكمين الفجّ، وكسب احترام الملايين حول العالم، الذين شهدوا وشاهدوا المسرحية – المهزلة – على الهواء، فهُو لم يَزِدْ على أن قال – في ما بعد – أنَّه «تعرَّض لمُعاملةٍ غير ودِّيَّةٍ من (بُولينجر)، الذي كال له سيلاً من الشتائم».

يُذكر أنَّ «بُولينجر» كان قد تلقَّى نداءاتٍ عديدةً، وعلى أعلى المُستويات، لإلغاء مجيء «نجاد» إلى حرم جامعة «كُولومبيا»، لكنَّه أصرَّ على أن يتمَّ ذلك اللِّقاء.

ونقولُ الآن إنَّه «إذا عُرف السبب بطُل العجب»، لأنَّ رئيس الجامعة – كما يبدو – أراد أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فَعَلِقَ في ثُقب إبرة، كما أنَّه قد زاد في شعبية «نجاد» لدى الإيرانيين الذين ساءهم وآذاهم واستفزَّهم أن يتعرَّض رئيسهم لمثل هذا الموقف المُتعمَّد، مهما اختلفوا حوله أو اختلفوا معه، وبهذه الحماقة لم يَزِدْ «بُولينجر» على إعطاء المُبرِّر للرئيس لعدم الردِّ على أسئلته المُحرجة، ذلك أنَّ الشتيمة والحوار الموضوعي لا يلتقيان، فإمَّا هذه وإمَّا ذلك.

وفي ردود «نجاد» على الطلبة الذين كان أغلبهم على دِيْن ملكهم، بإطلاقهم صيحات الاستهجان، لفت نظري ردَّه على سُؤالٍ حول مساعي طهران لحيازة القنابل النووية، حيثُ قال : «إنَّ هذه الأسلحة تتعارض مع الطبيعة البشرية في جوهرها، وأعتقدُ أنَّ السياسيين، الذين يسعون إلى امتلاك قنابل نوويةٍ أو يقومون باختبارها أو صُنعها، إنَّما هُم رجعيون ومُتخلِّفون سياسياً».

يا تُرى، هل هذا الردّ إقرارٌ لواقعٍ؟ أم تعبيرٌ عن قناعاتٍ سياسيةٍ جديدةٍ جاء بها «نجاد» إلى نيويورك؟ أم أنَّه تمويهٌ من باب «التقيَّة»؟ وإذا كان الأمر إقراراً لواقعٍ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلماذا هذه الأزمة الطاحنة التي كبَّلت إيران بالعقوبات التي خنقت اقتصادها وَعَزَلَتْهَا عن العالم وزرعت الشُّكوك بينها وبين أقرب جيرانها وتُهدِّد الآن بحربٍ ماحقةٍ لا يعلم مداها إلاَّ اللَّه تعالى؟

إنَّ ما جرى في جامعة «كُولومبيا» يُمكن استقراؤه من زاويةٍ أُخرى، تُشير إلى مدى التشوُّه الذي لحق بصُورة النظام في طهران لدى الرأي العام الأمريكي، وهُو أمرٌ لا يُمكن تجاهله، لأنَّ قرارات الحرب تُتّخذ على ضوء جسّ نبض الرأي العام واستمزاج اتِّجاهاته، ولا بُدَّ لإيران من الأخذ في الاعتبار التحذيرات الرُّوسية من حربٍ وشيكة، وإذا كان لا بُدَّ من اتِّخاذ قراراتٍ صعبة، فهذا أوانها، اليوم … اليوم، وليس غداً، فقد يفوت الأوان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s