شوقي شفيق – نحرُ الواقع

شوقي شفيق
شوقي شفيق

المبدع شوقي شفيق ينحر الواقع المشوه بسيف الشعر القاطع المستقيم، ولا يجد غضاضةً في تسمية الامراض بإسمائها دون الاخلال بفنية القصيدة، فالحداثة التي تتقبل الإيقاع دون ان تمانع في كسره حتى لا يبدو رنيناً متصلاً صاخباً، يتعسف المعنى الذي نقول دائماً إنه في بطن الشاعر، قد أوجدت حلولاً توفق بين إيقاع حذوة الحصان ولا ايقاع خف الجمل وانسيابية اجنحة القطا الخافقة فوق قوافل الصحراء، وبين روح العصر الذي ينزع الى التأمل وتفجير الداخل بدلا من الاسترجاع من الذاكرة وترقيص الخارج كهيئة بيت خرب يزينه سور مزخرف، شوقي صاحب تجربة خصبة إمتلكت ثقتها بادواتها، وتعرف من أين تنتزع صورها وبأية هيئة، كما تجيد استلهام حكمائها اجتذاباً او دحضاً لتتعدد الاصوات في الشعر ويبلغ السرى مداه، وقد احسن إستاذنا الدكتور عبدالعزيز المقالح في اختيار نص شوقي المعنون «للكأس – لسقراط – لكرادلة الليل والمكاربة» ضمن مختارات شعراء «الهزيع الاخير» من القرن العشرين في «كتاب في جريدة» الذي توزعه مع اعدادها تسعة عشر جريدة عربية من موريتانيا حتى اليمن كل اول اربعاء من كل شهر بما يزيد عن مليوني نسخة، ومع القصيدة نبدأ في عملية النحر المشتهاة لان «اخر الدواء الكي»:

«ارض مهجنة واسماء، ومسالك شتى وتاريخ، يمشي كسيحاً صوب هاوية، يعلو مداها بين مشنقةٍ ومقاصل..».. «يا ايها الاهلون كم تاجاً، كيما نؤنث عرشنا الاعمى، يا أيها المعنى خرائطنا تبكي وما من فارسي، نعدوا والعابرون على مؤونتنا يستبسلون، لغاتهم شتى، وطعانهم ينمو على دمنا، والارض قبروت واشلاء».

لوحة دامية تنزف بالفاجعة وهي تسير حيثيا الى الهاوية ولا منقذ لها غير انثى تعرف معنى الامومة ومعنى البنّوة وتتقلد حكمة الاعرابية عن احب ابنائها اليها «المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر»، وهنا تسقط حكمة «سقراط» في احترام قانون المدينة وتجرع كأس السم، ذلك ان مدينة «شوقي شفيق» لا تحترم القانون ومن فعل فقد شذ ووجب رجمه، فلماذا يموت سقراط من أجل مدينة خائنة ليل نهار، تأكل لحوم ابنائها حتى وهي شبعى ريانة لمجرد اطفاء شهوة الابتلاع:

«سقراط يا صاحبي، هل أتاك حديث البيوت التي انطفأت بجحيم الحروب، ومن فرط خبزٍ ضئيل، ذخيرتنا: وطن خالدٌ بين قصفٍ يخيط لنا شرط اعناقنا، وملاجئ ليست مجهزة لقبول اختلافاتنا».

هنا يعلو الشعر والشاعر على قبائل الاحزاب وملوك الاختلاف الدائم المتجاوز لعقود البشر البسطاء ممن يمشون على الارض هونا، والذي يعرف طريقه الى المجازر ولا يطيق البساتين، وعطره البارد لانه يحتقر شميم الورود.

«أي صديقي سقراط، يا موئل الحكمة المستباة.. كلما وطن نبتنيه تفجره حاصدات القبائل والمخبرون وارصدة الاثرياء العتاة, نحن لم نرشف الكأس لكننا نتمرغ في وطنٍ حامضٍ تتكاثر فيه الكؤوس، لكي تتناثر فيه الرؤوس».

يا ترى أية كؤوس متناثرة تحز الرؤوس، بالتأكيد ليست من نوعية كأس سقراط، واما الوطن الحامض فمخزونه الاسيد المتدفق فوق رقاب القطيع:

«ارضٌ مخصبة بفاقتها، وسيرتها مزدانة بحروب أهليها، فبأي قتبانٍ نوازنها؟ وقد الرعاة على حماقتها صبّوا بلاغتهم، وما كنا إلاّ قطيعاً ما له وطن.. أرض يزين وقتها الكفن».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s