الهروب الكبير

الدولار الأمريكي يتعثر في مشيته، بل إنه أصبح يسير بعكّازين، لكي لا يسقط على أمّ وجهه مقابل اليورو والعملات الأخرى، وهذا هو حال الدّهر (ومَنْ ذا الذي ياعزّ لا يتغيرُ) كما يقول كُثيّر عزّة، ومثلما يقولون في الأمثال (فالج لا تعالج) وقد دخل الدولار في غيبوبة (الفالج) منذ سنين طوال وتفاقم مرضه في عهدي الرئيس جورج دبليو بوش وأركان إدارته الذين انصرفوا الى الضّرب والحرب ونسوا أو تناسوا العدّ والنقد، وكما أشرنا في مقال سابق فإنّ الحرب في العراق تكلف نصف مليون دولار في الدقيقة، وهذا لا يأتي فقط من جيب دافع الضرائب الأمريكي كما تعودوا القول وإنّما من تاَكل ودائع الدول والشركات والأفراد الأجانب ومن النّهب المنظّم وغير المنظّم لثروات العالم، ويبدو أن هذا هو مفهوم (الإمبراطورية الأمريكية) التي يسعى المحافظون إلى إرساء مداميكها على حساب، وعلى الرغم من هذا الوضوح في التدحرج إلى الهاوية فقط ظّلت الكثير من الدّول تأمل في عافية الدولار، وتتحمّل التضخّم لخاطر (العمّ سام) وحين كانت تئّن من وطأة الخسائر كانت تعتذر عن أنينها فتقول إنّه بسبب ارتفاع قيمة اليورو الأوروبي والين الياباني والجنيه الاسترليني إرضاءً (لسكان الحمى) في واشنطن، وربما قالوا إنهم يئنون بسبب تثبيت قيمة (اليوان) الصيني بالقوة مما يجعل البضائع رخيصة تستنزف دولارات الأمريكيين الرخيصة كنهر جارٍ ترفده كل مجاري السيول من مختلف أنحاء العالم باتجاه بكين.

على كل حال يبدو أن الأوان قد اَن للرحيل عن مصيدة الدولار المريض ونحن نوشك على مشاهده الهروب الكبير بعد أن أدّى خفض سعر الفائدة بنصف نقطة الثلاثاء الماضي في واشنطن إلى انخفاض سعر الدولار إلى أقل مستوى له مقابل اليورو فوصل إلى 1.40 دولار، وقد انهارت مشتريات السندات الحكومية الأمريكية وهي الدّاعم الأكبر للدولار إلى 19 مليار دولار فقط في شهر يوليو الماضي بعد أن كانت تلامس الثمانين مليار دولار قبل ذلك. وقد أخذت تدفقات الأموال العالمية تنأى عن أمريكا متجهة بقوة نحو الشرق في ظل مؤشرات كئيبة لأداء الاقتصاد الأمريكي الذي يواجه عجزاً متوقعاً لهذا العام يصل إلى 850 مليار دولار أي ما يعادل 8.5% من إجمالي النا المحلي. ولتبيان مخاطر الهروب الكبير تشير التقارير إلى أن الأجانب موّلوا ما بين 25 إلى 30% من الدين الأمريكي وأسواق الأوراق القصيرة الأمد خلال العامين الماضيين.

وفي منطقتنا فقد بدأت إشارات الهروب سياسية من عراق صدام حسين وسوريا وإيران الذين اندفعوا باتجاه اليورو مقابل براميل البترول ونوّعوا سلّة العملات للاحتياطي بما سحب الدولار من السيادة المطلقة والاَن بدأت تظهر الخطوات الاقتصادية بعيداً عن ليّ الأذرعة سياسياً حيث فكّت الكويت ارتباط الدينار بالدولار للسّيطرة على نمو التدفق العشوائي للأموال، وجاء دور المملكة العربية السعودية التي تمتلك 800 مليار دولار حيث رفضت في خطوة غير معتادة خفض أسعار الفائدة بالتبعية للبنك المركزي الأمريكي وفسر المراقبون هذا الرفض باعتباره تمهيداً لفك الارتباط، يذكر أن دول المنطقة لديها 3.5 تريليون دولار تواجه خطر التضخم الماحق بسبب الدولار العليل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s