المقبرة…!

امتلأت مقبرة العسكريين الامريكيين في كانساس تماما عقب دفن جثمانين الأسبوع الماضي أحدهما من ضحايا حرب العراق ، وهذا الامتلاء الحقيقي الذي ينبغي معه الرحيل إلى مقبرة جديدة له معنى رمزي مواز هو أن الموت سيظل حصاد سياسات المحافظين المتطرفين الطامحين إلى امبراطورية تبنى بالجماجم وليس بحجارة العدل، وهم إذ يبدون في (النزع الأخير) هذه الأيام نظرا لغرقهم المهين في المستنقع العراقي فإنهم في أشد حالاتهم خطورة شأن الغريق الذي يردد (أنا الغريق فما خوفي من البلل) إذ أن الخطط التي أقرت وطبقت منذ 11 سبتمبر 2001م لم تحرز أية نتيجة إيجابية من وجهة نظر الرأي العام الأمريكي الذي سحب تأييده للجمهوريين الحاضنين للمحافظين ويطالب عبر مؤسساته السياسية بتغيير النهج ، ومن الواضح الآن أن الإدارة تكابر وتنظر بتعال إلى الشارع الذي لا يمتلك الجلد على مواصلة (سياسة المقابر) وبالتالي فلابد من أحد أمرين: إما مخادعته بالتظاهر بأنه قد جرى فعلا الانحناء للعاصفة وذلك بتحديد مواعيد وهمية للمراجعة وتقديم التقارير وبعض التنازلات الجزئية أملا في كسب وقت على الأرض يمكن من التوغل عميقا في جوهر السياسات نفسها مراهنة على الزمن ، وإما في التهيئة لحروب جديدة تحت مزاعم وجود مخاطر داهمة تهدد الأمن القومي الأمريكي ، كما كان الحال مع عراق صدام حسين مراهنة على ضعف ذاكرة الرأي العام وشدة الهلع الداخلي الذي ما زال يتأجج بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ويبدو أن الإدارة اعتمدت النهجين معا، المخادعة وتسعير حروب جديدة يرحب بها المجمع العسكري الباحث عن تمويلات البنتاجون ، وتقر بها عينا اسرائيل الوكيل المعتمد والوحيد في منعطف الشرق الأوسط حيث يوجد أعظم مخزون عالمي للطاقة ، وهو الكنز الأسطوري الذي يوفر لأمريكا الغلبة في صراعها مع الامبراطوريات القادمة على الطريق بخيلها ورجلها وعلومها وتطلعاتها إلى المجالات الحيوية في الكرة الأرضية ، ولا ينبغي أبدا أن نغفل عن الدور المركزي لإسرائيل بحجة أن المستفيد الأول إذا حضر بنفسه فما حاجته إلى وكيل يحمل عصا غليظة .. ذلك أن مسألة الامبراطورية المهيمنة التي تأمر فتطاع ما زالت في مراحلها الأولية ، وهي مراحل تسوية الأرض واقتلاع الأشواك وستظهر لتل أبيب التي هي في الواقع قلعة عسكرية نووية في قلب الوطن العربي والشرق الأوسط أدوار متقدمة في لحظات مفصلية أخذت استحقاقاتها تبزغ في إيران وسوريا ولبنان وفلسطين.
وعودة إلى (المقبرة) التي بدأنا بها موضوع اليوم وهي الماركة المسجلة لحقبة الرئيس جورج دبليو بوش الذي وصفه الرئيس المكسيكي السابق فسينتي فوكس بأنه (أكثر من لقيته في حياتي غرورا) ناعتا شجاعته كأحد رعاة البقر بأنها مزيفة ، فإن عضوي مجلس الشيوخ الجمهوريين عن ولاية كانساس حيث توجد المقبرة التي ختمت بالشمع الأحمر عقب امتلائها بالجثث الملفوفة بالأعلام الامريكية (سام براونباك) و(بات روبرتسون) قد بعثا برسالة لوزارة شؤون قدامى المحاربين يطالبان فيها تمويلا كاملا لمقبرة في فورت رايلي قائلين، بتعبير لا ندري إن كان جادا أم ساخرا (نحن ندين بالفعل بالعرفان لجيشنا ، وأقل ما يمكن أن نفعله هو توفير مكان مشرف للدفن)كأنهما بذلك يعيدان قول أبي العتاهية:
لبوا للموت وابنوا للخراب
فكلكم يصير إلى تباب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s