شر البلية

فعلا ، فإن (شر البلية ما يضحك) وليس كل ما يضحك مسليا فبعضه يقع ضمن ما قصده المتنبي بقوله: (ولكنه ضحك كالبكاء) وبعض البكاء المضحك، أو الضحك المبكي، يحتوي على شرر متطاير يصيب الأفراد والجماعات (ومعظم النار من مستصغر الشرر) ففي زمن سقوط المرجعيات أو نكوصها على أعقابها يتقدم لملء الفراغ من ليسوا مؤهلين إلاّ لنشر البلية والفوضى والضحك على الذقون ، وهذا هو المشاهد اليوم في العالم العربي وإلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، وإلاّ فبماذا نفسر المحرقة التي نصبتها المنظمة التي تسمي نفسها (فتح الإسلام) في لبنان، وأي إسلام تدعو إليه ويموت جندها في سبيله؟ فيما الجيش اللبناني منصرف عن واجباته الأساسية لمحاربة هذه الشرذمة التي تبرأ منها الجميع ولم يرتفع صوت داخل لبنان أو خارجه معها، وقد فقد الجيش اللبناني، الذي وقف بالكاد على قدميه يتحسس دوره الوطني الجامع بين القبائل المتناحرة، 551 من جنود، في كر وفر استغرق حوالي أربعة أشهر ، فيما فقدت المنظمة المارقة يوم أمس الأول نحو 53 عضوا، وهو يوم الحسم الذي طال انتظاره وقد جمعت المعارضة والموالاة في لبنان على تهنئة الجيش وقائده في سابقة شذت عن المخالفة في كل شيء حتى في تسمية الاتجاهات نحو الشرق والغرب والشمال والجنوب ، ولو كان سياسيو لبنان يتعظون من شيء لكان لهم في ما قام به الجيش الأمثولة الهادية فقد خاض النزال على قلب ورب بمسلميه ومسيحييه وقدم الدماء الغالية رخيصة، لأن الوطن كان نصب عينيه وليس كرسي الوزارة أو الثلث المعطل أو سدة الرئاسة الأولى ، وما إلى ذلك من أمور فقدت أهميتها ، لأن الإنسان الوطني هو مصدر كل قيمة، فإذا فقد قيمه وتاهت بوصلته ، فما من قيمة لأي أمر خارجه.

ما علينا .. وكما قلنا في البداية فإن (شر البلية ما يضحك) وهذه المرة يأتي الضحك المر الذيشبه البكاء من الجزائر.. فقد كشف الشيخ شمس الدين بوروبي، أحد أشهر رجال الافتاء الديني في الجزائر، أن سيدة اتصلت به وهي تبكي وقد قالت له أن زوجها السلفي المتدين الملتزم طلب منها أن ترضع صديقه، المتدين أيضا، حتى يتمكن من قضاء شهر رمضان في بيتهما والإفطار معهما ، وأضافت الزوجة بانفعال شديد وتأثر أن الزوج هددها بالطلاق إن لم تنفذ أمره، وجزاه الله ألف خير أنه لم يهددها بالقتل لأن من السهل عليه أن يشتري فتوى بذلك وأن يجد تخريجا طالما من قرأ مقالا أو اطلع على كتيب تصدى للإفتاء في المجالس والبعض على شاشات التلفزيون ، علما أن الصلاحية للفتوى تتجاوز النصوص والاجتهادات الفقهية السابقة إلى كليات الدين ومقاصده العظيمة فمن قاربها وهو لا ينظر إلا إلى موطئ رجله وزلت به إلى الحضيض قدمه، فها هي الفتوى التي انتشرت في مصر ومنها في ما يشبه (النكتة السوداء) ستخرب بيتا في الجزائر وفي غيرها وربما أشعلت فتنة يتحارب جنودها تحت رايات الله وكل يدعي أنه الفرقة الناجية ، وهذا ربما ألقى ضوءا على إقفال باب الاجتهاد لدى أهل السنة والجماعة من أتباع المذاهب الأربعة فربما كان ذلك من باب (سد الذرائع) أمام المتنطعين من أنصاف المتعلمين الذين هم أخطر من الجهلة، فالجاهل قد يستمع على طريقة (رحم الله أمرأ عرف قدر نفسه) أما نصف المتعلم فهو يعتقد أنه قد أحاط بكل شيء، وهذا أول الفساد ويقول الشيخ بوروبي: (إن جزائريين ذبحوا بناء على فتوى، وأحرقت المساجد بناء على فتوى، وخربت مقابرنا بناء على فتوى ، واغتيل أئمة بناء على فتوى) .. فتأمل …

ويقول الشيخ أنه تلقى اتصالا من تاجر في شرق الجزائر سأله (عندي موظفة في الطابق العلوي من المحل التجاري وأنا معجب بهذه الفتوى فهل يمكن أن أرضعها).

فعلا.. شر البلية ما يضحك .. وقد ضحك الناس جميعا من تلك الفتوى الشاذة، وربما يجيء وقت تبكيهم بالمقدار نفسه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s