عدالة مغمضة العينين

تقف العدالة بقوام امرأة «صارمة» مغمضة العينين تحمل الميزان وهي لا تنظر في جاه الواقف أمامها ولا وجاهته ولا اسمه ولا نسبه ولا كم كدّس من الأموال في الخزائن ، وإنما تنظر بالقانون والبصيرة في عمله الذي جيء به من أجله إلى ساحتها فإن كان خيرا كافأته ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، وإن كان شرا عاقبته ، فكل نفس بما عملت رهينة ، وهي تعمل على نقيض الذين كانوا إذا سرق «الشريف» البطران غضّوا عنه وإذا سرق الفقير الجعان حدّوه وبمثل هذا الانحراف في العدل تسقط هيبة القانون وتقوض المجتمعات وتنشأ ردود الأفعال الغاضبة المتجاوزة ، لأن حاميها حراميها ، ومن وكل إليه العدل قد أسرف في البغي.

الهند تقدم إلينا أمثولة رائعة في العدالة والاقتصاص لـ«ظبي» مشمول بالحماية لأنه معرض مع فصيلته للانقراض . والعدالة الهندية لم تنظر في اسم المتهم الشهير نجم السينما الهندية الأول «سلمان خان» ولا في وجهه الذي اختارته مجلة «تايم» لغلافها بصفته أكثر رجال الهند وسامة ولا في ملايين المعجبين بأفلامه حول العالم الذين يودون لو يُفتدى من السجن، ولا حتى بالخسائر التي ستلحق بصناعة السينما وتقدر بثمانية ملايين دولار بسبب إيقاف تصوير أفلام يقوم فيها «سلمان» بدور البطولة ، علما أن صناعة السينما تدر على الاقتصاد الهندي مئات الملايين حيث تحتل المرتبة الأولى في إنتاج الأفلام عالميا تليها الولايات المتحدة الامريكية التي تحتل المرتبة الثانية في عدد الأفلام وليس في الإيرادات فشتان ما بين هوليوود وبوليوود.

ومثلما تابع سلمان الظباء البريئة في محمية بولاية راجستان الغربية عام 8991م وقتل عددا منها حتى ذكر أنه سلخ ظبيا من فصيل «شنكارا» وأعطاه للطهاة في الفندق الفخم الذي كان نازلا فيه من أجل طبخه وتقديمه على المائدة، غير مقدر للعواقب ، فإن العدالة تابعته منذ ذلك الحين فحكمت عليه بالسجن خمس سنوات ودفع 52 ألف روبية غرامة ، وقد أكدت الحكم الأولي محكمة أخرى في ولاية راجستان فأمرت بإلقاء القبض عليه وإيداعه السجن ، وقد استمع لنصائح محاميه بتسليم نفسه طوعا تقديرا لمشاعر الملايين من محبيه الذين لا يودون رؤيته هاربا أو خائفا باكيا. لذلك فقد صرح للصحافيين قبيل مغادرته مطار «بومباي» متوجها إلى مدينة جود بور في راجستان بقوله: «أعتقد أنني كمواطن مسؤول وشخص يلتزم بالقانون ويحترم القضاء فإن عليّ أن أسلّم نفسي»، وقد ذكر محاميه الذي كان برفقته مع أفراد أسرته أنهم سيستأنفون القرار في المحكمة العليا إلاّ أنه سيضطر إلى المكوث في السجن خمسة أيام قبل السماح له بالخروج بكفالة.

هذه الرسالة من القضاء الهندي العريق تريد أن تقول: أنه لا يوجد أحد فوق القانون حتى عواطف الناس «الذين» وضع القانون من أجلهم وهي فرصة سانحة للقول الفصل لأنه نادرا ما يصل إلى ساحات القضاء نجوم بهذه الجماهيرية ، ويلاحظ أنه على امتداد التسع سنوات التي استغرقتها القضية لم تتدخل الجهات العليا لأن الفصل بين السلطات في أكبر ديمقراطية في العالم حقيقي وبذلك تأمن العجماوات في وجاراتها والطيور في أكنتها لأنه «لو كل من جاء نجر» ، ما بقي في الوادي شجر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s