التعويذة الكمالية

يبدو أن التعويذة السحرية للزعيم كمال أتاتورك، “أبي الأتراك”، قد فقدت سحريتها بعد أن بهتت طلاسمها وتعب حراسها من الوقوف على باب “تكيّة” لا تختلف عن التكايا العثمانية الغابرة إلا باعتمار سكانها الطرابيش بدلاً من العمائم المولوية لاتباع طريقة مولانا جلال الدين الرومي، وإحلال البيارق العلمانية المتجهمة بدلاً من البيارق السلطانية المترنمة، وتحويل العاصمة إلى الداخل الآسيوي المتريف في “أنقرة” بدلاً من عروس مدن الدنيا اسطنبول أو “إسلامبول” المشبوحة بيد آسيا وأوروبا على ضفاف “الدردنيل” الأزرق وفوق الهضاب الخضراء وتحت ظلال المآذن السامقة والجوامع المشرقة والقناطر العابرة التي عكست رقي العمارة الإسلامية في أزهى عصورها وأخصب مراتعها وأعذب مناهلها، اليوم تغرب شمس الكمالية بجلال وبالتراخي فقد عرف إسلاميو تركيا فقه “التدرج” وأجادوه قولاً وعملاً كما عرفوا أن الاستفزاز لا يجر سوى الاستفزاز فودعوا أعواد المنابر المطهمة إلى منصات المجالس النيابية ومقرات منظمات المجتمع المدني كما غضوا من أبصارهم وخفضوا من أصواتهم لأن الصوت العالي يشوش الفكرة ولا يُعرّف النكرة، ثم سألوا أنفسهم السؤال الذي ينتظر إخواناً لهم في كل مكان من العالم الاسلامي وهو: ما الفائدة في تخويف عموم الناس والتدخل في خصوصياتهم وإنذارهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، وقد أُمرنا أن نكون مبشرين لا منفرين وأن نعمل لدنيانا كما نعمل لآخرتنا، فيما المجتمع بحاجة لكل أبنائه للنهوض بالاقتصاد واللحاق بمواكب العلم والإبداع التي تجلجل في أرجاء العالم، ومواجهة المشاكل الاجتماعية والإنسانية التي مهما بدت مستعصية فإن التعامل معها بعقلانية ونورانية سيوطّئ أكنافها ويهدئ الخواطر كما هو حال قضية الأكراد التي لم توصّف بعد أكثر من سبعين عاماً من قيام الجمهورية وما زالت مبنياً للمجهول بسبب التحيزات القومية التي ترى في نطق المسمى كفراً رغم القبعة العلمانية التي تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعضه الآخر.

وهو ما دفع أوروبا إلى التريث طويلاً في قبول الوافد الشرقي عضواً في المجتمع الغربي، ويبدو أن الشوط لا يزال طويلاً، إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه، زلت به إلى الحضيض قدمه.

أمس الأول أجرى البرلمان التركي الدورة الثانية من عملية انتخاب رئيس جديد للبلاد، وكما كان متوقعاً أخفق عبدالله جول وزير الخارجية ومرشح الحكومة في الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة للفوز بالمنصب، ومن المؤكد أن يفوز جول بالرئاسة في الدورة الثالثة المقررة الثلاثاء القادم حيث سيكفيه الحصول على الأغلبية البسيطة 50%+1 علماً بأنه حصل في الدورة الثانية على أصوات 337 نائباً من أصل 550، يذكر أن جول تعهد عدة مرات بحماية النظام العلماني والحيادية بين القوى السياسية إذا ما تم انتخابه، وبذلك امتص مخاوف قادة الجيش وسحب سلاحاً هاماً من أيدي الأحزاب العلمانية التي تعيش على التراث الكمالي الذي كان في يوم من الأيام كاسحاً ثم تراجع إلى ما دون الندية، وهو اليوم يعيش في أصداء الماضي البعيد الذي يُنظر إليه فيه بعين السوية مع من سبقوه “فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره”.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s