الحرب والقصاص

تترك الحروب آثارها على الشعوب المنكوبة لآماد طويلة كما تخلف ميراثها الثقيل لأجيالٍ لم تولد بعد، وغالباً ما تهبط تلك الآثار وذلك الميراث إلى ما تحت السطح عقب انتهاء الحرب ولكنها تظل كامنة كون النار في الرماد وقودها الآلام والأحزان ومفارقة الأوطان بالنسبة للذين أرغموا على الرحيل أو أولئك الذين عجزوا عن التعايش مع أوضاع ما بعد الحرب، لذلك فإن عظماء الساسة الموهوبين المسلحين بالنظر البعيد والإرادة المتسامحة بعزم وحزم ينأون بشعوبهم عن سياسات حافة الهاوية التي تقود إلى الحروب أو تبشر بها ومن سعى إلى أمر حازه، فمن أراد السلم عرف لغته وقدّر خطواته وسعى إلى كسب القلوب والعقول، وبسط حسن النوايا مع إبقاء عينيه مفتوحتين كعيني صقر يرصد من عليائه في الفضاء دبيب النمل على الأرض.

ذلك أن معظم النار من مستصغر الشرر أو كما قال شاعر أمية:

أرى تحت الرماد وميض نار

وأخشى أن يكون لها ضرام

فإن النار بالعودين تذكى

وإن الحرب أولها كلامُ

وأما من أراد الحرب قطرتها دائماً سالكة لأنها أخت الهدم بينما السلم أخو البناء وما يبنيه عشرة يستطيع أن يهدمه فرد. إن الحرب هي آخر الخيارات في وجه القوة الغاشمة والعدو المتربص الذي لا تجدي معه كافة طرق السلم فيفسرها على الدوام بأنها ضعف ينبغي له أن يغتنمه وإذا ما تم اللجوء الى السيف كخيار أخير فإن الوصول الى الغايات فرض عين على كل محارب, فعلى حد قول المتنبي وحلم الفتى في غير موضعه جهل.

الشاهد هو أن السلم هو الأساس والحرب استثناء تفرضها الضرورات ويؤججها اختلال التوازنات وحتى لا تلد الحرب حروباً أخرى ينبغي أن لا يغفل المنتصر عن معالجة الذيول وإعادة النظر في الأسباب التي أدت الى الحرب والأعقاب التي نتجت عنها وبذلك تطول فترات السلم ويستعيد المجتمع عافيته وتتماسك ذراته ويبتعد شبح الحرب خاصة في المجتمعات الأهلية التي تشهد نزاعات دموية.. وقبل أمس أعلنت الحكومة الفيتنامية التي انغلقت على نفسها لأكثر من ثلاثة عقود أنه يمكن لملايين الفيتناميين المقيمين بالخارج دخول البلاد دون تأشيرات أملاً في إعادة ربطهم عبر البحار بوطنهم وجذب المزيد من الاستثمارات, يذكر أن ثلاثة ملايين فيتنامي يقيمون في 90 دولة حول العالم وهم عائلات غادرت البلاد بعد انتهاء حرب فيتنام التي خسرتها أمريكا عام 1975م، أي أنهم من ضحايا الحرب ولكن معاناتهم استمرت لهذا الزمن الطويل وهم لم يتخلوا عن الوطن حتى وإن بدا ظاهرياً أن الوطن تخلى عنهم:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

وعلى هذا الغرار يمكننا أن ننظر الى مآسي اللاجئين في الوطن العربي الذين يعتبرون في عداد المنسيين منهم من تجاوز نزوحهم النصف قرن من الزمان وولدت لهم أجيال في المنافي التي ترفضهم وتعاملهم كالأغراب غير المرغوب فيهم وقد وصل الحال ببعض اللاجئين من السودان الى طرق أبواب إسرائيل لعلهم ينعمون ببعض الراحة ولو على حساب استخدامهم أوراقاً في الصراعات السياسية, فهل يتنبه العقلاء الى هذه المصائر فيقتصون لإخوانهم من أنفسهم قبل ان يصبحوا هم موضع القصاص؟

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s