كل خميس:مصابيح النهار

يبدو أن الوطن يستثمر في الشعراء، يودعهم أحلامه ودموعه وانكساراته، وتطلعه الى فرح يوشك أن يندلع كاندلاع الصباح عقب ليلة داجية، شعراء اليمن يحملون مصابيحهم في النهار لكي لا يراهم العميان المبصرون،

ولكي يرون هم أعماقهم المليئة بالانقاض يحفرونها بأظافر اللغة المتهدلة لكي تتحول الى منحوتات جميلة في مدارج اللاوعي وأبهة الكبرياء البريئة وملكوت الحب الذي يمد حدوده خارج حدوده، أملاً في اجتذاب الفراشات الذهبية والعصافير النشادة والأيائل الراكضة نحو الذرى، وجموع العشاق الذين طلقوا المغمس بالهوان، واتجهوا الى ينابيع الجمال ليتطهروا ويرتاضوا في نعيم الوطن -الشعر بعد أن استعصى نعيم الوطن- التراب الذي يسومه الصيارفة والمرابون والمفسدون في الأرض سواء الوطنية ووحشية الرعي الجائر.

في مختاراته الذكية لكتاب في جريدة الشهر الماضي قدم لنا الدكتور عبدالعزيز المقالح رعاه الله باقة متناسقة فواحة من الشعر اليمني الحديث الذي انحاز إليه كلياً بعد أن نضج شعراؤه فأصبح هو الشعر في أفق العصر الذي نعيش فيه، ولا شك أن الباقة تؤشر للبستان الذي قطفت منه، سواء كان بستان الشاعر الفرد، أو بستان المرحلة للأداء الأوكسترالي الجماعي، أو حتى بستان التربة الشعرية وطنياً وقومياً وعلى مستوى القرية العالمية المقروءة بكل اللغات.

تنحو النصوص المختارة في هاجس مشترك نحو الخلاص من اليباس، اللايقين الذي يداعب العيون كسراب الصحراء، من اللاحب الذي يتلبس قناع الحب، وتحلم براعم النصوص الغضة بالاجتياز وملامسة الحلم وتقديم البشارة في بنى درامية تتم فيها التحولات بخفة تشف بقدر ما يعتم الواقع “إنك الآن يا صاحبي مستحيل.. أعطني وجهك الساحر المستحيل، كي تكن كم اكنت تجمعنا فوق طاولة الزمن المتوحد فينا، لكي نتنفس نسترجع الذكريات”.

هذا المستحيل في مقتطفات من تأوهات الأمير السبئي لجنيد محمد الجنيد هو الزمن المستقبلي المرجو قادماً من ماضٍ تبدد، وهي وظيفة شعرية بامتياز، تجعل الماضي والحاضر والمستقبل تتبادل المواقع في إطار زمن دائري واحد.

“ها هي الآن تبلغ واحد وعشرين من سحرها، حين تلمح ما كنت خبأته، وهي غافلة في ضفائرها.. فتلملم أشلاءه في اضطراب، غير أن النداء الغريب الذي في اسمها لا يكف فياركب آب مل عليَّ قليلاً وعرَّج بقلبي على اي صحراء او حانة تتسلى بأخباره ثم تلقي به في غيابات كأسي، وتسكبه في كتاب”.

“كريم الحنكي يلقم الحنين هذا الأنين الذي لا يشتكي والحنين جزء من لغة البشارة الذي يعتمد التوصيف قبل التصنيف.

“رجل من ورق.. ليته ظل حلماً يسامرني في ليالي الفلق ليتني ما شعرت به حين جاء الى باب قلبي ودق. ليتني سئت ظني به ليته في أكاذيبه ما صدق”.

“فاطمة العشبي” أدركها الورق قبل أن تتعاطى الأرق، وهي عقدية طبيعية للقلوب الغضة حين يندلق الحبر عليها، فإذا ماجاء أوان القراءة عجزت عن فك الطلاسم، فالمجد لا يتلطسم، ولذلك: “يا أمير العقاب، ها أنا حفنة من عذاب، والذي كان سوف يكون حبيبي تلاشى سراب.. ليته ظل حلماً، وليت الزمان به ما نطق”.

كم قالت هذه المختارات من المعاني التي تقرأ بالقلب لا بالمسطرة والقاموس ولأنها طبعت ووزعت مجاناً بما يزيد على ملوني نسخة حول الوطن العربي الكبير، فلنا أن نتصور كم القراء المغتضين في زمن يضيق بالشعر وينسى أسماء الشعراء رغم أنهم الاستثمار الأكبر للوطن كما قلنا في مطلع الحديث، لذلك أكرر الشكر لأستاذنا د. عبدالعزيز المقالح على مجهوده النير… وللموضوع صلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s