أخماس في أسداس

حين كانت موسكو وبكين في خط إيدلوجي واحد حسب المعلن تصاعدت الخلافات بينهما حد القطيعة الكاملة والاستعداد الخفي للحرب ثم تقاسما ما أمكن تقاسمه من الأتباع الصغار الذين يبحثون عن صدر حنون وثدي مدرار، وقد اتضح فيما بعد أن ذلك كله عبث لم يخدم أحداً وإنما صب في طاحونة الأعداء الامبراليين الذين سرعان ما تحولوا بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك المنظومة السوفيتية إلى شركاء وأشباه حلفاء حيث اختلط الحابل بالنابل وتوارت نجوم الايدلوجيا لتفسح للتجارة التي ابتلعت الصين نصف رغيفها ولما تشبع بعد واتجه الروس لبيع البترول والغاز أي تجارة الطاقة فملأوا خزانتهم بالعملات الصعبة حتى أصبحت موسكو العاصمة الأغلى في العالم ينطحن فقراؤها بالغلاء ويعيش مترفوها في الهناء، واليوم وخارج أي أيدلوجيا يلتقي الصينيون والروس مجدداً في إطار منظمة «شنغهاي» للتعاون والتي تضم إلى جانبهما من آسيا الوسطى: كازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان وأوزبكستان، لقد فهم العملاقان بعضهما بصورة واقعية بدون نظارات أيدلوجية تلون الرؤية، إما بلون قشيب وإما بلون كئيب، وهذه هي السياسة في جوهرها العاري بدون قفازات حريرية تموه القبضة، وقد كان ستالين الجبار وريث لينين الذي كان مخه يزن جبلاً، يموت في عبادة الأتباع واستلحاقهم بل وإذلالهم، ويرى ذلك حقاً أبوياً وتسليماً نبيلاً بحق قائد المركب الشيوعي، ولم يكن ذلك مقتصراً على الخارج وإنما طبقه بصرامة على الداخل فلا صوت يعلو على صوته، وقد وصل ماوتسي تونج متأخراً بعض الشيء بعد أن مضى على حكم الحزب الشيوعي السوفيتي حوالي ربع قرن، فأحنى رأسه قليلاً لعاصفة ستالين مع رصّ صفوفه لإعلان الانتفاضة مع أول سانحة ، وكان كل ما يهمه ضمان المقدرة على الوقوف دون حاجة إلى عون مكلف، وقد بلغ الهدف بسهولة بتجييش مئات الملايين خلف كتابه «الاحمر» وربط الأحزمة على البطون والخروج من ثورة للدخول في ثورة جديدة لإبقاء الناس مربوطين إلى مقاعدهم طول الوقت حتى لا يفوتهم القطار الذي لا يدرون متى يقلع ولا إلى أين يسرع.. على كل حال ذاك عصر مضى وأتى بعده ما أتى من انطلاق الصين العلمي – الصناعي بعد أن هدأت القيادات التي أعقبت ماوتسي تونج العواصف الأيدلوجية ورفعت شعار «ليس مهماً أن يكون القط أبيضاً أو أسوداً، فالأهم هو أن يصطاد الفئران».

ومنذ ذلك الوقت ولأكثر من ثلاثين عاماً والصين العظمى تصيد الفئران بالهبل ومن كل صنف ولون، أما موسكو فقد عبرت من الحيوية الإيدلوجية إلى الجمود، ومن الجمود إلى التفكك، ومن التفكك إلى شبه اليأس والإفلاس، حتى جاء عهد بوتين رجل الدولة القوي الطموح الذي يعرف هدفه جيداً، فأعاد الرّواء إلى روسيا ودفن مواطن الضعف، ونشط مراكز القوة، وقد جملته أسعار البترول المحلقة في السماء، فكان المدد الذي يحتاج ليكف بلاده عن استجداء المعونات، وهكذا ذهب أصحاب الرؤوس الحامية المتقّدة بالأيدلوجيا، وجاء أصحاب الرؤوس الباردة، فالتقى بوتين وجينتاو «على قلب ورب» وقد أطلقا مع الشركاء مناورة «مهمة السلام2007م» في «الاورال» الروسية بعد الصين، وتركا المعسكر الامريكي يضرب أخماسا في أسداس لعله يعرف ما يدور داخل هذين الرأسين.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s