عودة الروح ..!!

حين تفكك الاتحاد السوفييتي قبل 16 عاما قال محللون ومؤرخون إن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تتفكك فيها امبراطورية من تلقاء نفسها دون غزو خارجي في ظل السلم وليس الحرب، وهذا التحليل الباعث على التفكير يقودنا لتفحص طبيعة الامبراطوريات في عصرنا، حيث التقدم العلمي المبين لطرف من الاطراف يعدُّ بمثابة انتصار أو إعلان حرب غير مرئي على الطرف الذي عجز عن تطوير قواه وبُناه، ولأن القوة في التحليل الأخير هي اقتصاد مكثف فإن ضعف الموارد الامبراطورية قد يفعل ذاتيا ما يفعله الغزو من الخارج، وذلك بتآكل القوة وعدم تجديدها وبلوغها الشيخوخة الذاوية وهو ما لاحت سيماه على الاتحاد السوفييتي الذي قاد المنظومة الشيوعية بالتبعية القسرية وليس بالاختيار الحر وحكم الضرورات الذي قادت به امريكا منظومتها المضادة ، الأمر الذي جعل توابع موسكو عالة عليها وتوابع واشنطن قوة مضافة، وشتان بين تابع وتابع، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن من الإجحاف القول بأن المنظومة الشيوعية سقطت دون حرب، وإلا ماهو تعريف الحرب الباردة التي خيضت بالوكالة من كوبا على حدود الولايات المتحدة الى اثيوبيا في القارة الافريقية وحتى افغانستان في آسيا، وهذه كلها استنزفت موارد غير محدودة لأن الخسارة فيها كانت خطا أحمر لايمكن القبول به، ثم ماذا كان يعني الستار الحديدي غير الانعزال عن بؤر التطور العلمي العالمي المتسارع والذي أضاف اليه الغرب حرمان موسكو من الاختراعات الحديثة فاضطرت إلى الاستثمار في البحث العلمي وعلوم الفضاء وتطوير الاسلحة وكأن العالم في كفة وهي في الكفة الأخرى، وهذا باب من أبواب المحال، وقد أدرك الامريكيون مأزق موسكو بين الانحباس الاقتصادي ومحدودية البحث العلمي وبين الطموح السياسي لقوة عظمى نديّة فأطلقوا حرب النجوم مشروعهم الاستراتيجي للسيطرة من الفضاء، وهو الأمر الذي مثل انعطافة حاسمة في التفكير السوفييتي، فقد تم إدراك خطورة النمو غير المتوازن والتكاليف الباهظة التي لاتسترد في سباق التسلح وعدم اليقين في تحقيق انتصار حاسم ، كما تم في الوقت نفسه إدراك عقم التفكير الشمولي في عالم يتسم بالحيوية المتجددة على مدار ساعات الليل والنهار، وفي هذا المربع تم اتخاذ قرار إرخاء القبضة وتطبيق النصوص النظرية في الدساتير والتي تيبّست مفاصلها من عدم الاستعمال ومنها حق تقرير المصير، وبذلك انفض السامر، ومضى كل الى غايته، ولم يأسف أحد على أحد، وقد استطاعت موسكو عقب فترة اضطراب وإذلال كانا ضروريين لشحذ الهمم من استعادة أنفاسها وإبراز عضلاتها الاستراتيجية فزرعت علما روسيا في القطب الشمالي على عمق أكثر من أربعة آلاف متر لتأكيد حقوقها في تلك المنطقة الغنية بالمحروقات، كما أرسلت قاذفاتها الاستراتيجية فوق المحيط الهادي وأعلنت عودة سفنها الحربية الى البحر الابيض المتوسط ، وهي تجري مناورات برية مع الصين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s