القافلة والكلاب..!!

القافلة تسير والكلاب تنبح) .. هذا المثل يريد أن يقول لنا إن أي حركة في الاتجاه الصحيح ، كما هو شأن القافلة التي تتحرك ضمن خط مرسوم بين نقطتي البداية والنهاية لابد أن تقابل على الطريق بنباح كائنات سكونية تتحرك دائريا في إطار مكان محدد لا تنطلق منه ولا تسأم من الإقامة فيه وتسليتها التشويش على العابرين إلى غاياتهم ، دون القدرة على إيقاف حركة العبور في الزمان والمكان إلا على الجبناء ، ولذلك فإن القافلة التي يقودها عادة المخضرمون من ذوي العزم والخبرة لاتأبه بالنباح ولا تصرف أدنى جهد لمناكفته أو مطاردته لأنها تعرف أنه مجرد ظاهرة (صوتية ستتلاشى مع الريح) وحتى الجِمَال الحاملة للأثقال تمشي وهي تجتر دون أن يرف لها رمش ، فأمامها مفازات لا تحتمل معها اللهو مع الكلاب أو الضجيج والإرغاء في وجوهها، وعادة فإن للقافلة كلابها المصاحبة المرهفة الأذان تتشمم أي خطر ، ولكنها تصمت لمعرفتها أن الكلب النبّاح يخيف نفسه أكثر مما يخيف غيره كما هو حال الأسود في رصد الشاعر:

ضعاف الأُسْد أكثرها زئيراً

وأصرمها اللواتي لا تزير

وفي حياتنا العربية المعاصرة نتلفظ بالأمثال ونستحسن وقعها ، ولكننا لا نستطيع إنزال معانيها على وقائع حياتنا كما لم نستطع أن نكون في مستوى القائل: (لساني وسيفي صارمان كلاهما) فـ(اللسان مذرب والذراع عضرب)، والذّرِبْ هو الحاد اللسان التي من مرادفاتها الـ(مذرب) وأما العضرب فهو من فصائل الصبار وحين ييبس يصبح هشا كبيت العنكبوت وبلمسة يتساقط ترابا أو كالتراب . وفي التاريخ أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يرى السيف الشهير لعمرو بن معد يكرب فطلبه من صاحبه فلما رآه وجده عاديا مما لدى عامة المقاتلين وبانت خيبة الأمل في وجهه فقال له عمرو: ياأمير المؤمنين لقد رأيت الحديدة ولكنك لم تر الذراع الذي يضرب بها.

ونحن حدائدنا كثيرة ولكن أذرعنا هزيلة،، وكلابنا الحارسة ذليلة فنحن أول من يرميها بالحجارة وهذا يشجع الأعداء على رميها بالقلاع ونهشها نهش الذئاب لفرائسها:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له

وتتقي صولة المستأسد الحامي

كانت ذاكرتي قد توقفت عند عديد الأمة عند خط المائة وستين مليونا وكنت أغض الطرف عن تضاعف الرقم إلى حدود الثلاثمائة مليون إنسان هم كغثاء السيل ، فلم تضف سوى أصفار إلى أصفار ، علما أن العرب أمة شابة ولكن البطالة تنخر الشباب لأن سوق العمل محتكر ومحكور والدول تعمل دلاّلة وأحيانا حمالة لدى المقاولين والصيارفة ، ولو كانت في موقع الأب الغيور على أبنائه لطرقت كل باب ونخلت كل حفنة تراب وغرست كل فسيلة تتوقع منها الخير ، ولكان مردودها من كل ذلك الرزق الوفير والعوائد العظيمة ، ولكنها رفعت شعار (أشبعني اليوم وموتني غدا) لتخرج من المستقبل وترهن قوافلها لدى الكلاب النبّاحة على قارعات الطرق.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s