في ذمة التاريخ

مرت الذكرى الـ”55″ لثورة يوليو في مصر بهدوء إلا من بعض الكتابات الصحفية المجترة لحدث كان ملء سمع الدنيا العربية وبصرها، وملء العقل والروح اللذين كانا متوثبين لصياغة دنيا جديدة لم تلبث أن تسربت كما يتسرب الماء من بين الأصابع، ثم تدهور أفضل ما كان فيها إلى أسوأ ما يكون نتيجة لتداعيات الهزيمة المريعة أمام العدو الإسرائيلي في يونيو 1967م، والتي كانت محصلة دون شك لتراكمات وأخطاء وتجاوزات سبقتها كان يغض النظر عنها، أو تأجيل حسمها، أو تدويرها إعلاميا والتغني بها كانتصارات، وهو المرض العضال الذي تصاب به مراحل التحول التاريخي المفترضة، نتيجة غياب النقد والنقد الذاتي، والرأي والرأي الآخر.. وقد كانت الديمقراطية الوليدة والتعددية المقيدة في فترة ما قبل يوليو 52 هما الضحايا الأول للانقلاب العسكري الذي رفع الشعارات الثورية معلنا التحول إلى “ثورة” دون مشاركة أحد من خارج المؤسسة استنادا وانشدادا إلى “كاريزما” الزعيم التي مارست فعل السحر على الجماهير من المحيط إلى الخليج، وكان جمال عبدالناصر في الواجهة وفي المواجهة وفي سحر الخطاب، هو الضمان والمصداقية ولكن الأيام أثبتت أن فردا لا يمكنه ضمان أمة مهما كانت عبقريته وجسارته واخلاصه.. وقد اتضح لاحقا أن مياها كثيرة كانت تجري تحت نهر مجلس قيادة الثورة وبالذات في القوات المسلحة التي كانت بإمرة المشير عبدالحكيم عامر، الأقرب إلى قلب جمال عبدالناصر والأبعد عن تفكيره، والذي انتحر كما قيل بعد أن تمرد في لحظات يأس قاتلة عقب الهزيمة وكان كبش فداء لا بأس به أمام نقمة الرأي العام الذي تجرع سم الهزيمة على غير توقع، ثم تبين بعد وفاة جمال عبدالناصر وتولي السادات على أنقاض الناصرية والناصريين أن هناك تيارا ثالثا لم يجد في التجربة الثورية أية إيجابية وقد عرضها للبيع في مزاد تاريخي ولم يبق منها سوى اسمها في متحف التاريخ.

وأخطر ما تمخضت عنه التجربة بعد مسيرة حافلة تألق فيها الطموح الوطني والقومي حتى لامس النجوم ثم انحط وهبط إلى دركات اليأس والقنوط، ثم ارتد إلى معطيات الواقع حثا للخطى بدون طبل ولا زمر إلى اجتراح حرب اكتوبر 1973م، هو عزلة مصر وانكماشها على ذاتها بعد اتفاقيات كامب ديفيد، ناسية إلى حين “عبقرية الجغرافيا” أو المكان التي أمضى الدكتور جمال حمدان حياته كاشفا عن تجلياتها في تاريخ مصر ووقائعها وإنجازاتها وثاراتها، بما هو مشهور ومعلوم.

كانت ثورة يوليو 52 حُلما جسورا ملهما أنجز في محيط مصر ومجالها الحيوي الأفريقي والأسيوي أكثر مما أنجز في الداخل، وحورب بلا هوادة من دول عظمى في وقائع مشهودة كانت إسرائيل رأس حربتها على الدوام، وإذا كانت لها أخطاء وخطايا، فلها في المقابل إنجازات وعطايا:

ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها

كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s