مُبَرْدِنُون..

خلق كثير اشتغلوا في «البرْدَنة»، وكان واحدهم يدعى «مُبردن» بكسر الراء، ولا أدري من أين جاءت الكلمة ولكنها حتماً من الإنجليزية أو من إحدى اللغات الهندية، وتعني بالعربية حسب مفهومها في عدن ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الاستقلال «وكيل مغتربين» وأظن أن أحد المطلعين ممن يبحرون في عالم اللغات كالدلافين في البحار سيفتينا في المبنى والمعنى الدقيق، ذلك أن المصطلحات تتحور وتتلون وتضيف أو تنقص من ظلالها بانتقالها من لغة إلى أخرى ومن بنية إلى بنية مغايرة وكانت كلمة «مبردن» قد اندرجت في العربية العامية لعدن وأصبح القادم من الريف البعيد ينطقها بسهولة ولكن معناها يظل غامضاً إلى حد كبير في ذهنه لأنها لا تجد لها جذراً في لغته الأم.

وكان وكلاء المغتربين يتوزعون تبعاً للمناطق الداخلية للهجرة في اليمن فأهل يافع لهم وكلاؤهم وكذلك أهل مريس وأهل إب وتعز وحضرموت وقس على ذلك، والسبب أن الوكالة تشمل استلام أموال وتحويلها إلى الأسر والأفراد في الداخل وتشمل تكليفات أخرى من المغترب بشراء أشياء عينية وإرسالها إلى منطقته، وبما أنه لا توجد بنوك ولا طرق سالكة ولا تليفونات وكل ما له علاقة بما نعرفه الآن من وسائل الاتصال والإيصال فإن إتمام ذلك العمل كان يعتمد على الثقة والمعرفة وقنوات خاصة جداً يشيدها الوكيل بينه وبين عملائه في الاتجاهين: الداخل والخارج، ولذلك فإن جميع الوكلاء تقريباً كانوا من الوجهاء في مناطقهم إضافة إلى كونهم يعملون في التجارة، وكانت العملية مقصورة لهذا السبب على عدن حصراً لأنها «فرضة اليمن» وعينه على العالم بلا منافس، وبالنسبة للوكيل فإن العملية كانت مربحة من اتجاهين: العمولة المقررة التي وصلت في مراحل معينة إلى 5% وفائض الأموال المتروكة كأمانات حيث كان المغتربون يحولون مداخيلهم كاملة أولاً بأول، ولذلك لا يمكن القول أن الوكيل كان يمثل مصرفاً صغيراً ثم يودع أمواله وأموال المغتربين في المصارف الكبيرة ويستطيع إن أراد استخدام تلك الأموال في تنمية تجارية بدون أرباح لأصحابها كالحسابات الجارية، وكان والدي يعمل في هذه المهنة وكنت أساعده في «مسك»الدفاتر والقيودات، ويستطيع أي مغترب أن يقترض بدون فائدة من وكيله لتمويل سفره ثم يسدد بعد ذلك، وغالباً ما يضيف «حق الشاهي» كإكرامية، كما أنه في حال عودته والسفر إلى أهله يخجل أن يشتري من محل آخر بضاعة تتوفر لدى وكيله، ومن الذين أذكرهم من العاملين في «البردنة» بيت الصايدي وبيت المريسي وبيت شديوه ومحمد علي جعران وصالح سعيد الغالبي وبيت الزنداني الذي منه الشيخ عبدالمجيد وكثيرون خارج كريتر وهناك من هم معلنون وهناك من يعملون كأصحاب النصف دوام دون أن يقدموا الخدمات كاملة وإنما يتبادلون المصالح مع المتوسعين في هذا العمل الذي وسم جانباً مهماً من الاقتصاد آنذاك، وفي المرحلة التي سبقت الاستقلال دخل سوق البردنة متمولون كبار فهبّطوا العمولة إلى نصف بالمائة وربما الصفر مستعيضين بأموال المهاجرين عن الاقتراض من البنوك أما إبان أعمال الكفاح المسلح فقد اهتزت الثقة بمستقبل هذا العمل، وغداة الاستقلال أخذ الوكلاء بالترنح تحت ضغوط السحوبات المالية من العملاء وجاء التأميم بعد 22 يونيو 69 ليوجه الضربة القاضية لهذا العمل الذي اختفى وتلاشى مفسحاً الطريق أمام عالم جديد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s