كل خميس:النسيان وغوائل الثعبان

يصرفك النسيان عما تكره الى ما تحب، ولو لم يكن له غير هذه الفضيلة لكفاه ذلك شرفاً بين العوائد التي تنتاب الانسان والتقلبات التي لا تكف عن مهاجمته من مزاجٍ الى مزاج ومن عمرٍ الى عمر ومن عذابٍ الى عذاب ومن حسودٍ الى حسود.

ما سمي الانسان الا لنسيه

ولا القلب الا انه يتقلب

وقد لاحظت ان «النسيان» الانتقائي هو ابرز المضادات الحيوية للفيض المعلوماتي المعاصر كطوفان نوح، فالانسان عادة لا يختزن غير ما ينفعه في حياته، والمخ ينهك في رمي ما لا يحتاجه الى سلال النسيان حتى لا يصاب بالتسمم المعرفي شأن الكبد الذي يتليف اذا ما افرط صاحبه في تعاطي الكيماويات والكحوليات، وما لا تتعرف اليه خلايا الاستقبال والهضم، وقد عاقب الله «الحسود» بحرمانه من نعمة النسيان.. لذلك يشقى بكيماويات وسموم غيره، اضافة الى كيماوياته وسمومه التي لا تنضب، وكلما ازداد محسودوه ازداد مرضاً بهم، حتى وهو يضحك ضحكته الصفراء، ولكنه ضحك كالبكاء ولا ارى احداً احرى بالشفقة من هؤلاء الاموات الاحياء من الحساد المساكين، الذين يتصحرون قبل الآوان لأن الارض التي يقفون عليها لا تجتذب سوى السحب الحاملة للامطار الحمضية، التي تقتل الزرع والضرع فتراهم سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

اعرف واحداً من هؤلاء لا يهنأ له عيش اذا لم يغمسه بسير الناس، ممن يعرف وممن لا يعرف، فكل ذي نعمة محسود عنده، وهي طبيعته وجبلته ونظره الذي يحصره ويحاصره كالسم في جوف الثعبان، فترى وجهه ينكمش كالبالون بعد ان يثقب ويستفرغ هواءه، او كالجلد بعد احتراقه بماءٍ مغلٍ وذلك اذا ما سمع اطراءً لفلان او ثناءً على علان، وبالغريزة المستفزة المدربة يأخذ في ثلب ذلك الانسان، والغمز واللمز في معرفته بفلانٍ من الناس، او علاقته بهذه الجهة أو تلك، وهي الجهات نفسها التي يزحف هو نفسه على بطنه ليحظى بنظرة رضا منها دون ان يكون له (الشرف الرفيع) الذي لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم كما يقول ابو الطيب، ويعجب اشد العجب حين يجد الناس قد انصرفوا عنه كأنه لم يقل شيئاً بعد ان عرف وشاع خبره على طريقة العاشق السوداني الرقيق:

حبيبة قلبي تفشى الخبر

وذاع وعمَّ القرى والحضر

ولان «ابو زيد معروف بشملته» فمثل هؤلاء يصبحون غرضاً لمحبي اللهو من الخبثاء المزاحين، فاذا ما حضروا مجالسهم، سرعان ما يديرون حديثاً جاداً حول ما فتح الله به على فلان، سواء كان ذلك في العلم أو في الجاه او في المال، مترقبين ان يفتح «ملك الوباء» ملفاته التي ما تحملها ملف ليسليهم في «المكتوب حول ما خفي من العيوب» وطبعاً فإنه لا يخيب لهم أملاً، لا لأنه لا يعرف مقاصدهم وانما لانه يتعالج من المرض بالمرض، والدنيا ارزاق، ورزقه من الدنيا خساسة الإملاق، اللهم امنحنا نعمة النسيان واصرف عنا غوائل الثعبان.. يارب العالمين.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s