إنهم لا يلعبون الشطرنج

لم يعد العقل البشري الراقي، الذي قطع شوطا في حضارة القبول بالآخر، والبحث عن القاسم المشترك في أي موضوع، يحتمل سياسة “أنا ومن بعدي الطوفان” لأن هذا النوع من التفكير المنغلق الذي يفترض امتلاك الحقيقة المطلقة هو في صلب كل الانفجارات المميتة التي تستهدف الوجود الإنساني، ولو لم تصل أوروبا التي اكتوت بنيران حربين عالميتين ماحقتين إلى القناعات الجديدة القائمة على حق العيش المشترك لما كانت الوحدة الأوروبية التي نعايش نقلاتها العقلانية بإعجاب يشبه الإعجاب بنقلات الشطرنج الذكية بين الكمبيوتر العملاق وكاسباروف وصولا إلى “الملك” وهو هنا الغاية المشتركة للجميع دون ضرر ولا ضرار وبقناعات كاملة، ومن له تحفظ فليتحفظ، ومن شاء أن يعود إلى شعبة فليعد إليه بالطريقة التي يراها مناسبة، كما أن من أراد أن يغرد خارج السرب كما فعلت بريطانيا بالنسبة للعملة المشتركة فأمامه الفضاء الفسيح يضرب فيه وحيدا بجناحيه حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود. هذه الوصفة ليست سحرية، أو ضربة إلهام انبثقت تحت ضوء القمر وإنما هي خلاصة تجربة جربت استخدام القوة وخبرت الموت والدمار لتنتهي إلى أنه لا خلاص إلا في قبول التعايش والتعدد واعتماد الحوار والمصالح وليس العواطف والرغبات والتمنيات المرضية.

هتلر حاول بأسلوب “أنا ومن بعدي الطوفان” فأغرق المانيا ومعها أوروبا في حقول الموت وانتهت الحرب بأرض محروقة وشعوب منكوبة.. ولكن تلك الشعوب تعلمت فيما شعوب أخرى تمشي على حافة الهاوية لكنها لا تتعلم لأن النخب السياسية تضع من تطلعاتها ورغائبها مقاييس الحقيقة بينما المنطق العقلاني يقول أن الواقع الموضوعي المعادل للحقيقة بمفهومها النظري هو المقياس لكل السياسات، حتى تلك التي تحقق نجاحات آنية خارج ذلك المقياس لأنها سرعان ما تنتكس ففي الأخير لا يصح إلا الصحيح، فأنت لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت، وإن خدعتك البطانة.

في الآونة الأخيرة شهدنا شدا وجذبا بين روسيا وهي تكاد تقف وحيدة إلا من همهمات بين صفوف المتفرجين وبين أميركا ومن ورائها الغرب الذي يلعب دور “حصان طروادة” كأنه غير معني، ثم لا يلبث جنوده أن يخرجوا حاملين الأعلام الأمريكية على طريقة “أنا وابن عمي على الغريب”. وكانت مواضيع الشد والجذب بين الطرفين متنوعة وإن كان في مقدمتها الدرع الصاروخي الأمريكي في التشيك وبولندا، والأزمة النووية الإيرانية، وما يتردد عن اتجاه بوتين لقمع الحريات الديمقراطية والعودة المظفرة إلى نوع من الحكم الشمولي.. الخ.. ولكن الملاحظ أن الضوابط العقلية والمصلحية للخلافات لم تتهاو، لأن العالم ما عاد يحتمل العمليات المغامرة، وأمس اجتمع الرئيسان بوتين وبوش وقد عرف كل منهما صاحبه بعد أن خلع بوتين جلد الحمل الوديع المطيع الذي ورثه عن سلفيه يلتسين وجورباتشوف، فبدت أنياب النمر ومخالبه وبذلك وجب احترامه ورفع مستوى مقعده ليكون نداً يأخذ ويعطي وليس مجرد يد سفلى تتلقى الفتات، وهي التجربة المهينة التي شربتها روسيا حتى الثمالة، واليوم تتقيأها لتبرأ من عللها.

الشاهد أن النزعة الانتحارية في السياسة ما زالت في عصرها الذهبي في منطقتنا ومن يقل بالمصالح والتدرج والحوار يُرمى بالحجارة، وقد وجد صغار السياسيين التافهين ممن يتعيشون على أعصاب الجماهير بغيتهم في هذا النزوع وانظر إلى بعضهم في الفضائيات وهم يتهارشون كالذئاب الجرباء لترى مصداق ذلك. إنهم لا يلعبون الشطرنج كالعقلاء الذين ينمون عضلات مخهم، وإنما يفضلون كرة القدم الأمريكية لتربية وتسمين سرطاناتهم الداخلية.. وويل لأمة يحوك مستقبلها هذا الصنف القبيح من الناس، فهم سيقودونها إلى الطوفان وهي ترقص على أشلائها.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s