اين المفر؟

إلى أين يفر الكتاب من الليل العربي الذي يدركهم أينما كانوا؟ وكيف لهم بصناعة التفاؤل في غمرات المآسي التي لا توفر احداً ولو كان في برج مشيد، كنت مشتركاً في خدمتين اخباريتين عبر التلفون المحمول، وكانت الأخبار تتنزل علي كالصواعق على مدار الساعة حتى أنني كنت أنهض من النوم على قرع النفير في «المحمول» إيذاناً بوصول رسالة،

ومامن خبر سار أبداً، ولم ادرك إلا بعد حين أنني اتسمم رويداً رويدا، وان الكآبة التي اصبحت ضيفاً ثقيلاً يسكن تلافيف دماغي، هي نتيجة هذا الرش من جثث العراقيين ودماء اللبنانيين ومآسي الفلسطينيين، وما ترتكبه عصابات الإرهاب المسعورة من تقتيل للابرياء وتزييف للمفاهيم واستعداء للإنسانية على قيمنا ومفاهيمنا التي اختزلت في تكفير الآخر ثم تكفير بعضنا بعضا حتى اصبحنا غرباء في أنفسنا وفي أوطاننا وفي العالم نرمى بالحجارة كالعير الجرباء، أخيراً قررت ان امحو الخدمتين الاخباريتين فطلبت قطعهما، وعادة فان المزودين يبادرونك بالخدمة فوراً عند الطلب أما في حال القطع فانهم يتباطؤون كأنك تنتزع ناب أحدهم ليستنزفوا آخر مايمكن استنزافه منك، وفي هذه الفترة الرمادية آليت على نفسي الا افتح رسالة، ولو كانت مكتوبة بماء الورد مما يبعثه الاحباء، وكان صموداً مشهوداً، فتنفست الصعداء، لكأنني كنت تحت السياط فرفع عني العذاب، قل ياسيدي تحسنت احوالي النفسية والعقلية، فاضفت الى ما سبق تجنب نشرات الاخبار التلفزيونية وتلك الفرقعات التي تعلن «خبر عاجل جداً» والشريط الذي لا يفارق الشاشات كأنه حبل مشنقة أعد للمشاهدين، وفي الصباح ابدأ بقراءة الجرائد من الصفحة الاخيرة واحرص على الاعمدة الخفيفة الظل، بعيداً عن الفطاحلة العظام الذين لم يصلوا سن الفطام، فاذا ما وصلت الى ال«تتمات» وهي عادة ذيول اخبار الصفحة الاولى ضربت عنها صفحاً، ويادار ما دخلك شر.

ولكي املأ الفراغ الذي فغر فاه فقد عدت الى الكتاب «ما احلى الرجوع اليه» على حد اغنية نزار قباني ونجاة الصغيرة، ووجدتني في عالمي الاثير الى قلبي اسرح وامرح كالاطفال وانتقل من فنن الى فنن كالأطيار، واخذت اردد مع ابي الطيب:

اعزَّ مكان في الدنا سرج سابحٍ

وخير جليس في الزمان كتاب

كما واقفلت «الراديو» في السيارة بالضبة والمفتاح الاّ ما كان من اذاعة صوت الموسيقى الاماراتية التي لا تقدم سوى الغناء الكلاسيكي بدون مذيعي ربط، فتارة مع محمد عبده كروان الجزيرة وفنان العرب، وطوراً مع «الست» أم كلثوم وشجنها الدائم مع الحب الذي لا ياتي ولا ينقطع وهنيهات مع فيروز التي تقطر السحر الحلال وتصنع منه نسيجا عاطفياً يطير بك كانه «بساط الريح» في الف ليلة وليلة، اخيراً اشتريت جهاز يجمع بين السي دي «الاقراص» وال «كاسيت» والراديو فصار طريقي من والى العمل مفروشاً بالاغاني.. وداعاً أيتها الاخبار.. وداعاً ايتها الكآبة.

واذا رحل الحمار بأم عمرو

فلا رجعت ولا رجع الحمار»

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s