النّوايا هي المحكّ. .

تبدو الذّاكرة العربية مثل إناء مثقوب لا يحتفظ بما يُصبّ فيه من تجارُب وعبر ناهيك عن أن يمتلئ أو يفيض به، وقد شبع العرب من الوسْمٍ كيّاً بالنّار ومن الوخز اختراقاً بالإبر المحمّاة، ومن الخداع ضحكاً على الدْقون واللّحى التي قال عنها شاعرُ قديم: ألا ليت اللّحا كانت حشيشاً فنُعلفُها خيول المسلمينا كم من مؤتمرات عربية تصّدت لأخطر القضايا التي أثقلت ضمير العرب والمحصّلة قرارات لا تنفّذ ولا يتذكّرها أحد. كم من المؤتمرات الدّولية التي تداعت لها دولُ عظمى ومتوسّطة وصُغرى، ثم اتّضح أنها لم تكن سوى عين السراب الذي لا يريح نظراً ولا يطفئ عطشاً. كم من جبهات للصّمود والتّصدي انعقدت ودُقّت لها طبول الحرب ثم اتّضح أنّها صرخة في واد. كم من زعماء عرب قادوا ثورات رسموا بها الأحلام على أجنحة الغمام، ثم تلاشت كالأوهام. كم من الكُتّاب العرب أمسكوا بالغليونات ورموا الدّخان في وجوهنا وهم يمنّوننا بجنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار إذا نحن أهطعنا رؤوسنا للنظريات التي جاءوا بها من مدن (الموضات) العالمية ثم تبيّن لنا أنهم يسوّقون تلك البضاعة كما يسوّق باعة الفجل والجرجير بضائعهم بالصّياح عليها والقول إنها أفضل ما أنتجت مزارع الوادي الذهبي، وهي إذا لفحتها الشّمس ذبُلت ونامت على سيقانها فاقدة للحياة؟ أين يقع الخطأ؟ ومن أين نبدأ مجدداً، بعد أن وصلنا إلى أسفل سافلين وانطبق علينا قول المتنبي: أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمّة ضحكت من جهلها الأ·ُ يبدو أن المحكّ الأول هو في (النّوايا)، فلو صدقت نوايا العراقيين حول المُثل العليا التي يقولون جميعاً إنّهم يؤمنون بها وفي مقدّمتها وحدة شعبهم، فلن يأخذوا غير أيّام ليخلّصوا بلدهم من الاحتلال ومن شرّ أنفسهم، ولكن الواقع غير ذلك، وما يُعلن غير ما يُبطن، كما يقول المثل (الإشارة يساراً، والاتّجاه يمنياً) فالتنظيمات المذهبية والطائفية وميليشياتها سكرانة بكراسي الحكم والثروة وتتوسّل إليها طرق الإرهاب والموت ولن تشبع منها إلاّ إذا غرقت في دمائها.

ولو صدقت (نوايا) الفلسطينيين لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فرقة وانحلال حتى وصلوا إلى الاقتتال كأعداء لا يجمعهم جامع ومنذ (أوسلو) بدأت لعبة الكراسي (الموسيقية) وما يتبعها من فوائد وتربّحات على حساب الوطن والمواطنين، حتى فاحت الروائح فأزكمت الأنوف، ومعلوم فيما تعارف عليه أن فساد صندوق التّفاح يبدأ بتّفاحة واحدة، ثم تكرّ السّبحة.

 

ولو صدقت (نوايا) اللبنانيين لكانوا أسرة واحدة قد يشجرُ بينهم خلافُ مما يجري داخل الأسر، ولكن الأمر لن يصل إلى إحراق مراكبهم جميعاً ثم البكاء على أطلال الوطن كما يفعلون الاَن.

 

(إن اللّه لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) صدق الله العظيم

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s