يوم أبكى كل عين…

غداً الخامس من حزيران/يونيو، وقد مرّت عليه أربعون عاماً من التيه في رمال بني إسرائيل المليئة بالفخاخ، والمحروسة بالكلاب الأمريكية والصمت الدولي المتواطئ، وقد أعادت اتفاقية كامب ديفيد المثيرة للجدل سيناء منزوعة السلاح، كسيرة الجناح، إلى مصر السادات، ولكنها بالمقابل أخرجت القاهرة من الصداع العربي الإسرائيلي تقريباً، وبعدها خرج جمعٌ من العرب كانوا ينتظرون يوم الفرار على أحر من الجمر.
وبقي الجولان في الأسر المتحدي والمتغطرس، أما الضفة الغربية وغزة فقد ابتلعتا وقذفتا مرات عديدة إلى ومن جوف الثعبان، وفي 5 حزيران الذي – انقض على العقل العربي الخطابي كالصاعقة – طوى ملف الأرض الفلسطينية الأولى، وتقلصت القضية إلى الأرضاي المحتلة 1967م، حتى عرض العرب الصلح الكامل والإعتراف الكامل والتبادل الشامل لاسترداد ما كان في أيديهم في 1967م ولم يحصل لهم ذلك، ولم يتم الإعتراف باعترافاتهم، علماً بأن تجرعها أشد مضاضة من السم الزعاك:
وعلمت حين العلم لا يجدي الفتى=أن التي ضيعتها كانت معي
الذين ولدوا في 5 يونيو 1967م يبلغون الآن من العمر أربعين عاماً، وهؤلاء على قربهم لم يمروا بالنار الكاوية التي أبكت كل عين من الجزائر إلى اليمن، وطوبى لهم ولمن ولدوا بعدهم ذاكرة لم توشم بالحديد المحمّى لذلك اليوم الذي زلزل العرب والعروبة، وأخرج الصّلال ذوات الأجراس من جحورها، ثم لم يلبث حتى أوقف التاريخ العربي على رأسه ليمشي مشية (الخيذلى)، فيرى كل الأمور مقلوبة، وكل الحسنات مسلوبة، وكل الدلاء التي كانت عامرة بماء الأحلام مثقوبة، وكل القامات العالية مصلوبة. وقد خرج جمال عبدالناصر وهو يحبس الدمعة في عينيه ليعلن الهزيمة التي أسماها محمد حسنين هيكل (النكسة) تأسياً بالمريض الذي قارب الشفاء فانتكس، والأمل أن يعاوده مرة أخرى مرض العافية أو عافية المرض. وجاءت بعد ذلك حرب اكتوبر 1973، فمسحت على سطح الجرح بالقليل من مرهم الإنتقام الذي لا تشفي النفوس إلا به، ولكنها لم تعمل المبضع لتطهير العفن الذي قارب العظم، فكانت ووعودها العظمى كسحابة الشاعر المُحبط:
ما أنتِ والوعد الذي تعدينني=إلا كبرق سحابة لم تمطر
ومع النكسة المولود البكر للهزيمة الكبرى التي لم تعد تلد إلا فاجراً كفارا، اختفت الأسود والنمور من غاباتنا العربية، وتولت الضباع والثعالب وبنات آوى، ووفدت إلينا وعلينا جيوش الهراطقة الذين كان شعارهم:
تولى زمان بني يعرب=وجاء زمان بني ثعلب
وقد عاثوا في الديار فسادا، يلعنون الهزيمة ويقتاتون على دمائها، حتى بشموا، وفنيت العناقيد، وكان الأمل أ، النار المستعرة ستأتي على خبث الحديد ليلمع الفولاذ، وما زال الأمل قائماً وسيظل، ولكن الزمن الأصم لدينا، المتدفق لدى الأمم الحية حول العالم يرمينا بدقائقه وثوانيه فراسخ إلى الوراء كل يوم، علماً بأننا لا نزال نردد دون أن نستوعب:
دقات قلب المرء قائلة له=إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها=فالذكر للإنسان عمرٌ ثان
ما علينا… وإنما هي ذكرى، لعل الذكرى تنفع المؤمنين، فترفع الأمة لنفسها ذكراً ثانياً…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s