كل خميس:ذاكرة البحر..

للبحر ذاكرة طفل لا يمحوها كتاب الزمن، فهو يعرف اصحابه كما يعرف حدوده، فلا يغدر بالاولين كما لا يقبل بالاعتداء على حماه من آخرين وان وهم الواهمون ممن لا يعرفون لغة البحر وجبروته، ولذلك يستنفر حماة البيئة في كل انحاء العالم للحفاظ على براءة الطبيعة وعذريتها، لأن بعض الانتهاكات تعد بمثابة الاغتصاب في موازين بني البشر..

كنت اشعر بالاحباط كلما مررت بساحل ابين في عدن لأن الذين قاربوا البحر حتى لامسوه حرموا عموم الناس من هبة الهية تعد بمثابة الماء والهواء الذي يشترك فيه الجميع بلا ضرر ولا ضرار ثم انهم يعرّضون بجهلهم اموالهم للتآكل ، فعيون البحر لا تنام حين تنام عيونهم وهو يقضم الاعتداءات كما يقضم الصدى الحديد، وهناك شواهد في « العريش» وغيره على ان البحر يكسب الحرب دائماً الا مع اولئك البشر الراقين الآخذين باسباب العلم ممن ينفذون اليه بسلطان فإنه يرحب بهم ويتجمل بجمالهم وجمائلهم ،و ثمة عقل نابه في محافظة عدن تنبه لهذا التشويه فقام بردم البحر امام تلك المنازل تمهيداً لإقامة كورنيش ضمن المدى الطبيعي للمياه، وبذلك فض الاشتباك الباعث على الاسف والذي لم يكن له من داعٍ اصلاً ، حيث ان الانجليز بعلمائهم وعلمهم كانوا قد حددوا الخط الفاصل بين البحر والانسان، شكراً للعقل النير الذي عمل على ابرام اتفاقية السلام ويا دار ما دخلك شر.

صديقي الشيخ محمد عبدالقوي المفلحي أبى عليِّ الا ان اشاهد بحر عدن من غرفة بالطابق الثاني بفندق «عدن، ومن ذلك الموقع الحاكم اعدت رسم «بانوراما المدينة في ذاكرتي، فقد كنت اراها من الارض مجزأة فاربطها ببعضها البعض تخيلياً وافتراضياً، اما الآن فها هي امامي جسد حي ينبض بالآمال من بحر صيرة حتى بحر التواهي، وتعمل سلسلة جبال شمسان على تقسيم البحر بين الخلجان السياحية والموانئ البحرية والروابط البرية ، كما تمنح المدينة الهيبة والجلال والشموخ الازلي، وقد عملت ملايين السنين من حروب البحر والجبال على استخلاص عشرات الجزر او اشباه الجزر من السلسلة الطبيعية التي تمتد حتى عدن الصغرى وعمران وقدماً حتى باب المندب، حيث تقوم جبال تعز بالترحيب بأمواج عدن ولحج وتبريد الحرارة الصيفية لتصبح ربيعاً منعشاً ضمن مساحة تعتبر في عصرنا ضواحي لبعضها البعض، وقد اخبرني الاخ رشاد سلطان سعيد نائب المدير العام في مجمع عدن السياحي التجاري -والذي اشتغل مع جميل انور محمد واحمد محمد بافقيه على تقديم عدن الى مؤتمر استكشاف فرص الاستثمار في اليمن عبر «بروشور» معتنى به مادة واخراجاً ، وقدم له المحافظ احمد محمد الكحلاني- ان الخبير التركي العالمي الذي يملك استثمارات سياحية ضخمة في العديد من شواطئ العالم وبيآته الطبيعية قد اخبره وهم قادمون الى عدن عبر المخا وباب المندب ، فعمران حتى عدن الصغرى انه لم يشاهد في العالم جمالاً اخاذاً وشطآناً بكراً وبيئة مناخية متنوعة مثلما شاهده في هذه الرقعة المتواشجة والمتكاملة ، وقد تساءل الخبير كيف تجزؤنها الى عدن ولحج وتعز، وهي بيئة سياحية واحدة لا تقبل القسمة على اثنين ، فالسائح الذي يستمتع بالشواطئ يمكنه خلال ساعة ان ينتقل الى الجبال الشاهقة الخضراء او المناخ العليل، ويقترح الخبير العمل على منطقة واحدة من تعز وبحرها ولحج وشواطئها وصولاً الى درة التاج عدن وحتى شقرة في ابين.. هذا القوس العظيم بإمكانه ان يعمل كجسد واحد سياحياً وصناعياً وعمرانياً، ولا عبرة بالتقسيم الاداري الذي سيستفيد من الرؤية الشاملة فيكتنز بالشحم واللحم بعد السنوات العجاف.

من شرفة فندق عدن ارى خور مكسر كأنها حديقة ، من يسقي هذه الاشجار؟ السؤال من يملك الماء لكي يسقيها؟ هي حديقة ربانية، وقد قدّم اليّ الصديق محمد عوض اليافعي ثمار المنجو من حديقة منزله واراني الابن صلاح سالم ثمار العباسي واعذاق النخيل ، وقد بدأت تتبرعم في حديقة منزلهم.. كل شيء يتبرعم في اليمن والناس يدركون بالتدريج ان وطنهم مليء بالثروات، ولكن الضجيج الفارغ يخدش صمت العاملين، وكثير من الناس لا يتقنون سوى رمي الاشجار المثمرة بالحجارة ، كما ان آخرين من الفاسدين يقومون بعمل السوس في تدمير انساغ الحياة، ولكن اليمن السعيد الجديد سيولد رغم هؤلاء وهؤلاء.. وبورك في الشباب الطامحين!

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s