عالم عربي يتشظّى

سياسة التردد التي تم انتهاجها فلسطينياً وعربياً، أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من وضع كارثي، شطر قطاع غزة عن الضفة الغربية، وقيل ذلك شطر الشعب الفلسطيني نفسياً وأخلاقياً، ووضعه في مواجهة بعضه البعض بالسلاح والدم و”يا قاتل يا مقتول”، وعلى ماذا؟ ومن أجل ماذا؟ لا أحد يستطيع أن يعطي جواباً مقنعاً، ولكن هنا لا كلام كثير يقال خلف الكواليس، وكلام مبهم ومعمم يقال في المحافل، وقد هدد مسؤول مصري أمس الأول في تصريح لجريدة الخليج بالكشف عن مجموعات فلسطينية تـُؤمر من الخارج لتصفية القضية الفلسطينية، مضيفاً “إن صبر القاهرة بدأ ينفد، بعدما حاولت على مدى أسابيع من الحوار بين الفصائل تقريب وجهات النظر دون جدوى”، والسؤال: من هي هذه المجموعات؟ ومن هو “الخارج”؟ وقبل ذلك أين هم “العرب الفاعلون” الذين لا يكتفون بردود الفعل الباهتة على “الخارج” المتآمر، وإنما يبادرون إلى الفعل لأنهم سيدفعون الثمن في الأخير طال الزمن أم قصر؟ فالنار المشتعلة في الجوار تهدد الحي بأسره، وهكذا هو العالم العربي الآن، ينتظر الحرائق من داخله ومن خارجه. وقال الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل أمس الأول أمام طلاب بالجامعة الأمريكية بالقاهرة قال فيها أن هناك حالة فوضى عارمة في العالم العربي، وهي فوضى تضغط على كل معنى فيه، الهوية وأصولها والشرعية ومصادرها والقيم ومرجعياتها، بل تضغط على الحق والحياة والحرية في أبسط تجلياتها، مشيراً إلى أن تداعيات الأزمات الممسكة بالعالم العربي أفقدته الثقة بنفسه، وأصابته بحالة من الإحباط يهرب منها البعض إما بالإستسلام لليأس أو بالإنسياق إلى خداع النفس، وكلتا الحالتين رباط بالماضي آن الأوان لتحريره وفك وثقافه.

وفيما حماس تحتفل بالنصر والتحرير وتهديه إلى “شعبنا الفلسطيني”، تدرس إسرائيل خطة اتفقت مع واشنطن على مبادئها الأساسية، وتقضي بفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، واعتباره عدواً لإسرائيل، ومشكلة منفردة تتطلب معالجة خاصة من المجتمع الدولي.

إن إحتفالات النصر والإستغلال السياسي الرخيص لدماء “الإخوة الأعداء” تدفع بالموقف إلى نهايته المأساوية بإشعال حرب أخرى في الضفة، لإيجاد موطئ قدم آمن لفتح والسلطة، وبذلك تختفي المرجعية الفلسطينية التي ضمرت بضمور منظمة التحرير الفلسطينية وتحولها إلى خواء، وبذلك تدخل القضية في نفق مظلم لا مخرج منه ولا أفق له. وقد جاء في كلمة وزير الخارجية السعودي أمام وزراء الخارجية العرب الذين عقدوا اجتماعاً في القاهرة لمناقشة الموقف: “إن الإقتتال الفلسطيني حقق حلم إسرائيل بزرع نار الفتنة بين الفلسطينيين، وتأجيج نار الحرب بينهم، والتي ترى فيها تل أبيب الوسيلة لتعيش بهدوء وطمأنينة، حيث يضع الفلسطينيون اليوم المسمار الأخير في نعش قضيتهم”. هذه ثمار المحنة/المأساة… مُرّةٌ مُرّة، علماً أن غزة ليست سوى شظية من عالم عربيّ يتشظّى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s