تذكّر يا مستر بلير..!!

أرجو أن لا ينطبق على توني بلير – الذي بدأ الرحيل إلى القطب المتجمّد السياسي الذي تُسجّى فيه جثث الزعماء وهم أحياء – المثل القائل: “يا رايح كثّر بالفضايح”، فقد قال الرجل – الذي بَهتَ بعد ألَقان كأنما أصابه اليَرقان – “أن بريطانيا كانت تقوده ولا تُقاد في السياسة الخارجية”.
وهو بهذه الكمات المتهافتة التي لا يصدّقها هو نفسه – خاصة فيما يتعلق بحروب بوش التي كان فيها كالظل يسير خلف صاحبه كالمسحور – إنما يداري وجعه في اليد المشدوخة التي أمسكه منها منتقدوه، والذي لم تغفر له إنجازاته الداخلية التي لا تُنكر مرمطته لإسم بريطانيا العظمى في مغامرات كلفتها سمعتها، وكانت في مجملها خائبة لم ينل فيها الجيش البريطاني سوى الهوان، وقد علقت (الديلي تلجراف) على ذلك بالقول: “إن التاريخ سيخلّد لبلير تعطّشه للحروب، وقد أدخل بريطانيا – في العشر السنوات التي قضاها في الحكم – عدداً من الحروب لم يدخلها فيه أي رئيس وزراء قبله”. وأشارت الصحيفة إلى ملمح شخصي يذكرنا بملوك الأكاذيب الذين لا يزالون يكذبون حتى يصدقوا أنفسهم فقالت :”رغم ما واجهه بلير من انتقادات على خلفية مشاركته في غزو كل من أفغانستان والعراق فإنه ظل متحدياً حتى النهاية، ومبرّراً أفعاله بأنها كانت كلها دفاعاً عن المصالح البريطانية”. الحمدلله هذه المرة ليست دفاعاً عن حقوق الإنسان، فهذا للخارج، أما للداخل فلا شيء يبرر سفك الدم سوى المصالح.
ولا يدري المرء حقاً كيف سيؤدي بلير دوه القابلة عندما يكتب مذكراته كما جرت العادة، لاستيلاد المصالح البريطانية من رحم العراق المشتعل كالأتون علماً أنه ينطبق عليه القول المأثور “إن من السهل أن تشعل حرباً ولكن من العسير أن تنهيها”، وها هو الآن يغادر مرغماً حتى أن كلمات المديح التي تكال له – كترضية معنوية ليس إلا – ستنقلب إلى خناجر مسمومة بعد أن يكون قد أصبح بلا لسان ولا منبر، ومن أسفٍ أنه لن يعلم من بعد علم شيئاً عن مصير قواته المعلقة أقدارها بمصائر القوات الأمريكية التي تواجه حرباً في العراق وأخرى في واشنطن ولا تدري على أي جانبيها تميل، ففي ذلك الحين حين تأزف الآزفة تتبعها الراجفة يكون توني بلير الذي صعد لحماً ونزل فحماً كما يقول العراقيون يغطّ في نوم كوابيسي في عزّ الزمهرير الذي تعاني منه المرأة الحديدية مارجريت تاتشر، وإذا ما حرّك رمشيه وسأل عن (الرفيق) بوش فسيأتيه النبأ اليقين بأن (عزّ الدين) أشأم من (أخيه) أو ما شئت أيها القارئ العزيز.
حقاً أن موازين التاريخ لا يمكن التلاعب بها، وهي تزن الأفعال لا الأقوال، فالكلام لا جمارك عليه، والنماذج على ذلك كثيرة لا تُحصى من زعماء علوا في الحكم علواً كبيراً بتزكية النفس ومدائح المطبّلين المستنفعين وبالدعاية (البروبوجاندا) الداوية ثم انتهوا نسياً منسياً، لأنهم نسوى الله تعالى والناس فأنساهم الله أنفسهم، وتجاهلهم الناس كأن لم يعبروا في حياتهم:
ليس من يقطع طرقاً بطلاً=إنما من يتبقى الله البطل
وفي هذا الإطار قالت (ماري آن سيجارت) في صحيفة (تايمز) “إن إرث بلير تتضارب حوله الآراء، إذ أن حياة ملايين الأشخاص قد تحسّنت خلال العشر سنوات الماضية، إلا أن العراق سيظل الوصمة الضخمة التي تلطخ سجل بلير التاريخي”.
لقد راهن بلير على الوقت، وتأخر في الرحيل حتى آخر نفس، ولكن بلا جدوى، فلم يزده الوقت إلا خبالا:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه=وان يرق أسباب السماء بسلم
وداعاً مستر بلير، وتذكر – إن نفعت الذكرى – أن في رقبتيكما أنت وبوش دماء كثيرة، كثيرة جداً لأطفال العراق وأفغانستان دون أيّ ذنبٍ جنوه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s