لعب عيال

من رجله في الماء ليس كمن رجله في النار. بديهية من بديهيات الحياة التي “يتعامس” عنها المتحذلقون ثم يأخذون في تحليلها واستخارج نتائجها على طريقة “كأننا والماء من حولنا=ناسٌ جلوسٌ حولهم ماء”، والأميركيون سادة هذه الإبتكارات، وقد خلصوا أخيراً عبر مسح أجراه البنتاجون على الصحة الذهنية لقوات الأميركية في العراق إلى أن ثلث الجنود وقوات المارينز الذين يشاركون في عمليات قتالية على مستويات ععالية يعانون من التوتر والإكتئاب والشد العصبي.
جنودٌ يخرجون في الصباح وهم لا يدرون إن كانوا سيعودون إلى مهاجعهم أم أنهم سيكونون طعماً للكلاب الضالة، ألا يصابون بالتوتر والإكتئاب والشد العصبي؟! إن الطرق كلها باسفلتها وترابها وناسها أعداء، فكما غزوا العراق من الجو دون مواجهة في حملة “الصدمة والترويع” فكذلك يغزوهم العراق الآن من الأرض دون مواجهة، فقنابل جوانب الطرق تقدم بدورها على خير ما يرام، والجندي الممسك برشاشه في وضع قتالي لا يرى شيئاً يستطيع مسحه بعينيه، ولكن كل شيء يخيفه حتى النسيم الذي يلعب بأوراق الشجر، وهكذا هي الحياة منذ كانت، ما من قوة لا يوجد فيها نقطة ضعف، مثل “كعب أخيل” البطل الأسطوري اليوناني الذي خلّدته إلياذة هوميروس، فقد كانت نقطة ضعفه القاتلة إصابته في كعبه بشكّة رمح أو طعنة سيف، وللجيوش الأمريكية الجرارة المؤللة والمدرعة – والتي يحمل الجندي منهم تجهيزات تزن أكثر من عشرة كيلوجرامات – نقطة ضعف في ثقل وزنهم واستعدادهم للقتال المتبادل المعلن بالمواجهة، لا القتال المتواري، وكما تدين تُدان.
ومن ضمن النتائج التي خلص إليها البحث “البنتاجوني” أن أكثر من ثلث الجنود وقوات المارينز قالوا أنه من الضروري السماح بالتعذيب لإنقاذ حياة زميل لهم. والاستخلاص متناقض في منطقه، لأن الذي يتعرّض للتعذيب ليس باستطاعته تهديد حياة زميل للجنود الذين يعذبوه، إذ أن حياته هو في خطر، وليس أي حياة أخرى، وهو أعزل من أي سلاح، وربما من أيّ لباس تحت التعذيب، وربما كان المقصود هنا هو مثل قول: “إذا رأيت عشرة يعبرون الشارع فاقتلهم جميعاً، فربما كان واحدٌ من بينهم من زارعي جوانب الطرق بالقنابل”، وبذلك تنقذ حياة زميل. أمّا القتلى فجميعهم أعداء، والموت هو نوعٌ من أنواع الرحمة في هذه الحياة التي يتسلى فيها الجنود بقتل الأبرياء. وطبعاً فإنهم يعيدون مثل هذه السلوكيات إلى الضغوط النفسية التي يتعرض لها الجنود، وكأن الجنود يخرجون في نزهة خلوية لصيد الأرانب البرية، لا كما قال زهير:
وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتم=وما هو عنها بالحديث المرجّم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة=وتضرى إذا ضرّيتموها فتضرم
ومن مناقبية الجيش الأميركي التي – يُقتدى بها – إن حوالي نصف عيّنة الاختبار حبّذوا عدم الإخبار عن أي سلوك غير أخلاقي لزميلٍ لهم. وبذلك تكتمل اللوحة البائسة للوجود الأميركي في العراق، ولتقارير حقوق الإنسان التي تبلبسها السياسة الخارجية لواشنطن كأقنعة للتمويه، وهذا يذكرني بالمقولة الشعبية: “إذا ابني ضرب ابنك فهذا لعب عيال، أما إذا ابنك ضرب ابني فسأعلن عليك الحرب” وانتم افهموها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s