أسوأ البلاء

لماذا يتردد البعض طويلاً في اتخاذ القرارات الصائبة حتى يظن من يتابعهم أن وراء التردد حكمة لا ييُدركها إلا الراسخون في العلم، ثم فجأة وبين عشيّة وضحاها يتحوّلون إلى الضفة الأخرى التي أشاحوا عنها أنظارهم ذلك الزمن الطويل الثمين الضائع، وحتى دون سابق تهيئة وإعداد، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد تعلّم السباحة فيقول له الناس إنك لن تتعلمها وأنت واقف على الشاطئ فلا بد لك من النزول إلى الماء، وبدلاً من مقاربة الماء في الأطراف المسيطر عليها حيث يجد لقدميه موطئاً ولأنفه متنفساً يقفز إلى أعمق نقطة كمن يهوي إلى جُبّ لا قرارة له إن لم تلحظه عناية الله تعالى بعابر طريق متمرس يهب لإنقاذه ثم يشده من أذنيه محذراً إياه من تكرار المغامرة غير المحسوبة وإلا فستكون القاضية.

تبادرت إلى ذهني هذه الخاطرة وأنا أمعن النظر في أربع وريقات صادرة عن مكتب رئيس وزراء ماليزيا، بعثها إليّ من مدينة (تعز) الصديق الغواّص في بحار الإنترنت محمد عبدالودود طارش، وهو الرجل الذي طالما أتحفني مشكوراً بنفائس المختارات شعراً ونثراً وأدباً وفكراً، وعنوان الموضوع المختصر المفيد “ماليزيا باتجاه تحقيق رؤيتها للعام 2020” لتكون إحدى الدول المتقدمة بشكل كامل.

وكما تعلمون فإن لماليزيا القدح المعلّى في تجارب العالم الإسلامي لكسر أطواق العزلة واستعادة الثقة بالنفس، وإطلاق عوامل الإبداع والمعاصرة، مع الحفاظ على الهويّة الثقافية، وإثراء الحضارة المعاصرة بما لدى المسلمين من قيم خلاقة، كما وإزالة ما راكمه الزمن من سلبيات، كما يُزال الجلد الميت عن الجسد الحي لتنفس بصورة طبيعية، علماً أن غيرنا يُدرك بوضوح عيوبنا، فيما نحن قد نراها حسنات بحكم الألفة والمعايشة وتزكية الذات، ومن هنا لزم النخبة التي ترى تبصرة العموم بمخاطر الجمود، لا مسايرتهم في التنظير الفاسد، فمثل هذه المسايرة هي خيانة للعلم والمعرفة، ووضع للعصي في دولاب التقدم الذي أصبح فرض عين على الجميع لا فرض كفاية على النخبة.

ماليزا تستنتج لنفسها ما ينبغي استنتاجه عقب التجربة والمعاناة ومن ذلك:

  • إن فتح الأسواق يشكل مخاطرة كبيرة، والهجمات على العملات وأسواق الأسهم بشكل رئيس من قبل المضاربين الأميركيين زاد من الشكوك حول فتح الأسواق والعولمة والعالم بلا حدود.
  • إن صندوق النقد الدولي غير قادر على التعامل مع آثار مثل هذه الهجمات، ولا يمكن اعتباره كحامٍ فعّال للتمويلات العالمية، ولا يستطيع أيضاً أن يقدّم ضماناً بعدم تكرار الهجمات من قبل تجار العملة ضد اقتصاديات الدول بهدف تحقيق فوائد لأنفسهم.
  • إن تجارة العملة أكبر بعشرين مرة من حجم التجارة العالمية، وبينما تخلق التجارة العالمية أنشطة تجارية ووظائف وتأمين ونقل بضائع وعدد آخر من الأنشطة فإن تجارة العملة لم تعمل شيئاً لأي شخص آخر عدا المتاجرين بها، بل أنها تسببت في فقدان الملايين لوظائفهم، ولذلك نقول أنه آن الأوان لأن يأخذ العالم في الإعتبار تطبيق نظام مالي دولي حتى لا يحدد تجار العملات أسعار الصرف.
  • وفي نقد لليابان التي كانت قدوة قبل أن تستبدل أنظمتها بالأنظمة الغربية يقول: “سافرت إلى اليابان عدة مرات، وشاهدت التقدم الذي أحرز، وخلال زيارتي الأخيرة صعقت لرؤيتي العاطلين عن العمل يعيشون في ملاجئ مبنية من قطع بلاستك زرقاء في المدن بسبب التخلي عن نظام التعوظيف مدى الحياة، ولأن الأجانب أخذوا يتملكون المؤسسات، وأول إجراء يتخذونه لتحسين الفعالية هو طر العمال.
  • العولمة تبني احتكارات على مستوى العالم، وفي المستقبل سيكون هناك على الأغلب خمسة بنوك وخمس شركات لصناعة السيارات وخمسة هايبرماركت وخمس سلاسل فنادق وخمس سلاسل من المطاعم وكلها تعمل حول العالم، وسيجري امتصاص كل الشركات.
  • وينتهي إلى “أن ماليزيا دولة صغيرة وضعيفة ولديها مشاكل كثيرة، وربما نكون متشائمين كثيراً وحالمين كثيراً أيضاً، لكن صراعنا مع تجار العملة جعلنا متشككين وحذرين من الأفكار الجديدة والوعود المقدمة من الآخرين”.

إذاً إفتح عينيك جيداً وانظر خلفك في غضب أو في رضا على أن تظل سائراً إلى الأما بخطاك لا بُخطا الآخرين، فالتقليد هو أسوأ البلاء. 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s