وإنما رجل الدنيا وواحدها

للمرة الثانية خلال أسبوع أحضر حفلاً لتوقيع عقد مشروع استراتجي طالما حلمت اليمن بمثله، والأولى كانت في صنعاء في فندق تاج سبأ، والثانية في ثغر عدن، في فندق عدن الذي حمل إسم هذه المدينة الحسناء، التي تغتسل في بحرها الأزرق فتخرج في كل مرة فاتنة كأن لم يغدر بها الزمن، وبجهود ابن من أبنائها الأبرار الذين ترعرعوا فيها قبل أن يبحر في بحار الله تعالى وأرضه وتحت سمائه، وإذا كان المشروع في باتيس بأبين فإنه في ضواحي عدن أم القرى في جنوب الجزيرة.

فالشيخ علي عبدالله العيسائي – رجل الأعمال الكبير – قامة عملاقة من أولئك الذين يولدون وفي أيديهم مقاليد لصنع المعجزات، خصهم الله تعالى بها دوناً عن أناسٍ كثيرون يملأون جنبات الحياة، وتنهض هممهم بتلك المواهب ، فيؤدون حق الحياة على أكمل وجه. وأنا أعرف الرجل معرفة المحب القريب من القلب، فقد قضيت في بيته جزءاً من طفولتي، وكان صديقاً حميماً لوالدي، وشاركه بعض عمله منذ خمسينات القرن الماضي، وقد كتبت عن تلك الأويقات السعيدة وفاء في (الأيام) الغراء ضمن سلسلة ذكريات أسميتها (نجوم عدن)، وكان الشيخ بين قليلين خصصتهم بعدة حلقات لعظم تأثيره في حياتي كرجل أعمال ناجح وإداري من طراز فريد، وصاحب نظر بعيد لا يضع ما يملك من البيض في سلة واحدة، لذلك فإن استثماراته المجزية تتوزع حول العالم، ورغم أنه لم يحظ بأي دراسة نظامية إلا أن عقله مثل (الحاسوب الذرّي) يسجل كل شاردة وواردة، ومن ذا الذي يستطيع أن يفلت من حسابه وتدقيقه، فإذا كان أساتذة الإقتصاد يأخذون رسائل الدكتوراه من جامعات معترف بها، فإنه من يمنح مثل تلك الشهادات. وقد تحدثت لعدد ممن يعملون معه من حملة الشهادات العليا، فكانوا معه كمن يبدأ من الصفر، لأن مدرسة الإقتصاد في الحياة العملية فيها من الرؤية والحدس وحسن المغامرة ودأب الإستكشاف للفرص، وفراسة قراءة الوجوه، ومعرفة النفوس ما يستعصي على كل تعليم في كتاب، أو شهادة في إهاب، وستون عاماً في عالم الأعمال من نجاح إلى نجاح أكبر هي جامعة في حد ذاتها.

ونعود إلى المشروع المحتفى به، فلم يعد الشيخ علي يتعامل مع الدكاكين أيام قمصان (جرين ليف) التي كست فقراء عدن في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ولا الوكالات السورية لملابس النساء ومشدات (الرشوان) الحريرية للرجال من ذوي الوجاهة التي كانت تغطي اليمن بأسرها، وحتى وكالات السيارات في (كالتكس) التي خنقها التأميم، أما مصنع كندا دراي “لكل ذوق ما يشتهي” فقد عاد إلى الشريكين الكبيرين علي وعمر العيسائي، فما ضاع حق وراءه مطالب، والشيخ الآن في جيش من أبنائه الميامين الذين تربوا في مدرسته، وقد رأيت منهم هنا محمد وهاشم وعادل، وقد سألت عن الوالد فذكروا أنه في جدة بالمملكة، وسيحضر لاحقاً. وفي الحفل التقيت الدكتور أحمد العيسائي الطبيب الماهر الذي يقسّم أوقاته بين تعز ويافع مروراً بعدن، فحدثني عن الشيخ وقد تربى هو الآخر في بيته بجِدة، ووصف ما أنعم الله به عليه من نشاط وحيوية وطاقة يعجز عنها الشباب، وهو الذي تجاوز الثمانين، ومع ذلك يذهب إلى أقصى الشرق وأقصى الغرب ولا يكاد يستقر… أمسكوا الخشب، أطال الله عمره.
أما عن المشروع المحتفى به فتبلغ كلفته 220 مليون دولار أمريكي فقط لا غير، ويُدعى مشروع علي عبدالله العيسائي للأسمنت، وإنتاجه مليون طن في العام من أفضل أنواع الأسمنت (البوتلاند) والمقام 42.5، مما يعرفه المقاولون والمختصون، وسيوظف حوالي 650 مختصاً وعاملاً، وهو بالكم والنوع سيسهم في دعم البنية التحتية للجمهورية اليمنية، بما يسهم جدياً في تأهيلها للإنضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، الذي قطع شوطاً لا يستهان به في هذا الإتجاه، والذي أعطى الضوء الأخضر بعد أن تبين أن جزيرة عربية آمنة ومستقرة ونامية وتتمتع بالرفاهية لا يستقيم أمرها مع وجود يمنٍ عاني مشاكل تنموية وبطالة عالية وفقر باد للعيان، بينما ينام على ثروات معدنية وبحرية وزراعية لا حدود لها، وهي تنتظر الاستثمار والرغبة الصادقة في الإستفادة والإفادة، وهو ما تحقق الآن كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد علي عبدالله العيسائي المدير التنفيذي الذي كان خطابه في احتفال التوقيع مليئاً بالتفاؤل والأمل في المستقبل، ولا ننسى جهود د. خالد شيخ وزير التجارة والصناعة السابق، الذي كان دائم التشجيع للمستثمرين ومنهم العيسائي.

وقد ألقى كل من وزير التجارة والصناعة يحيى بن يحيى المتوكل، ورئيس الهيئة العامة للإستثمار صلاح العطار، ومحافظ أبين فريد مجور كلمات صافية مرحبة بالإستثمارات ومدشنة لهذه الإنطلاقة التي تعد مؤشراً على نهوض لن يتراجع بإذن الله تعالى. كما أشار الشاعر الشعبي حسن با حارثة الذي ألقى قصيدة جميلة كان فيها ممثلاً وملقياً يحرّك الناس بالإيحاء ويسحرهم بالموسيقى أن الفرص لا تتكرر، وأن من سار على الدرب وصل، ولأنه يصعب نثر الشعر أو تلخيصه فإني أرجو أن يكون منشوراً في هذه الصفحة.

وفي تقدير أصحاب المشروع أنه سيكون إضافة خلاقة إلى مشاريع البنية الأساسية والإستراتيجية، وأنه سيسد جزءاً معتبراً من حاجة السوق، موفراً العملات الصعبة، أما الشركة الصينية المنفذة فلا حاجة إلى تلخيص كلام مسؤوليها، فحديثهم على مستوى العالم وما نحن سوى نقطة من بحر الصين أو تسونامي بكين الذي يلف العالم، ويا سعد من جاءته سحابة من الصين.

أخيراً فإن الشيخ علي عبدالله العيسائي الذي نهض بالمشروع لوحده ومن حر ماله قد وعد بأنه يفكر في مرحلة لاحقة بعد أن يكون المشروع عاملاً في تخصيص أسهم لمستثمرين كبار من الجزيرة والخليج ولأفراد من المواطنين، وفي تقديري أنه يسير في سياسته وفق البيت الشعري:
وإنما رجل الدنيا وواحدها=من لا يعوّل في الدنيا على أحد

فالشراكة طالما أفسدت المشاريع المشتركة، لأنه في كثير من الأحيان إذا كثر الطباخون احترقت الطبخة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s