الشجرة

الشجرة

كانت الشجرة العظيمة – البالغة الرفعة والإرتفاع في قوامها وضخامتها، والبالغة الرقة في أوراقها الرقراقة، وأغصانها اللدنة – قد أخذت تغريني بأن لا أبرح مكاني في مواجهتها، وقد سدّت مقطعاً زجاجياً طوليا في إحدى واجهات فندق عدن، حيث بدأت رقت “الباليه” مع الأنسام البحرية التي أتت إليها خصّيصاً من خليج عدن

. تشاغلت عنها قليلاً بتناول إفطاري والتفكير في موضوع مقالي هذا ليوم، وأخذت أنصت إلى العمال الذين يتحاورون في زاوية المطعم حول تدبير معيشة اليوم، أما الغد “فخليها على الله، ومشّيها ويا الله”، ورغم أ، (البوفيه) مليء بكل ما لذّ وطاب كما هو مكتوب على مدخل المطعم المسمّى (البراندة)، إلا أنه ؤلاء العمال شأنهم كشأن غيرهم في مثل هذه الأماكن، ليس لهم سوى لذّة النظر، وهذا لا يعني أنهم جوعى، ولكنهم يتناولون طعماً مخصوصاً في الغداء والعشاء حسب نوبات العمل، وكان جدي لأبي يشبّه بيتنا أو أهله بأنهم كالجمل “يحمل الزبيب على ظهره وأكلله دَرْدَرْ”، والدّرْدَر نباتٌ شوكي لا تأكله سوى الجمال، وربما كا بالنسبة إليها أحلى من الزبيب وأطعم، وهكذا هم العمال، فقد اعتادوا على رؤية نعيم نزلاء الفندق، ولم يعد لعباهم يسل على ما لذّ وطاب:

كالعيس في الصحراء يقتلها الظما=والماء فوق ظهورها محمول

انتبهت للشجرة وقد شعرت أنها عاتبة على الهجران، وخيّل فيما يخيّل للشعراء أنها أخذت تكتب الشعر فيما دموعها تنصبّ إلى داخلها. سألت العمال عن إسم هذه الشجرة فتشاوروا طويلاً واخترعوا مسمّيات لم يأحدٌ منهم يعتقد بواحد منها، فهي اجتهادات طائشة كالكثير من اجتهادات مثقفينا وفقهائنا الذين تناسوا مقولة: “رحم الله امرءً قال لا أعرف” أو ذلك القول النبيل “نصف العلم قولة لا أعرف”، وبين الجفاء والعتاب والبحث عن إسم جاء سرب من الطيور فحطّ على أغصان الشجرة العظيمة فطربت أيّما طرب، وإذا اللوحة قد تغيّرت، فإذا كان للأشجار الأخرى ثمارٌ تجتبذب الطير التي تأتي خماصاً وتذهب بطاناً فإن هذه الشجرة غير المثمرة وفندق جميل في الهواء الطلق للطيور الساحرة والبارحة ينافس فندق عدن، والطيور كالبشر إذا ما شعبت بحثت عن اللّهو والمتعة البريئة والسكن الصحي، وبهذا اكتملت الوظيفة لهذه الشجرة التي شغلتني هذا الصباح وأنا أتناول إفطاري.

وقد تبيذن لي أن الناس قد ابتعدوا عن الطبيعة وجمالها كثيراً، وهم ينظرون إلى تجلّياتها كما ينظر الأعمى إلى اللاشيء، وربما كان الأعمى – أو البصير حسب التعبير الجميل – يتحسّس الشجرة بيديه ويشم روائحها وينعم بظلالها ويصغي إلى صدح طيورها فيمتلئ بها أكثر من المبصرين العميان، وربما دفعه الحب إلى تقصّي الأسماء التي بدونها لا يستقيم المعنى ولا ييمكن نقل المعرفة أو تثبيتها – فمقالي هذا وإن امتدّ صفحات وصفحات – لا يمكنه توصيل معناه دون تسمية الشجرة باسمها، ذلك أن الصفات لا تكفي، لأنها تريد أن تتشعب من الإسم كما تتشعّب الأغصان من الشجرة، والأوراق من الأغصان. كنت أبحث عن موضوع للكتابة فاستهلكني المدخل، وقيماً قيل: “لا تدع الشجرة تحجب عنك الغابة”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s