ملك البحر الأحمر..

لا تقل إنك قرأت الكتاب حتى تختبر مدى استيعابك بقراءة ثانية، ولو بعد حين من الزمن، وكان عباس محمود العقاد وهو من هو في عالم القراءة والكتابة يقول: قراءة كتاب جيد ثلاث مرات أفضل من قراءة ثلاثة كتب، ويعرف الطلاب هذه المعادلة جيداً، فلو اعتمدوا القراءة الواحدة لكان مصيرهم السقوط الذريع والمؤكد في الامتحانات، وكنت في ستينات القرن الماضي قد قرأت كتاب الحكيمة الفرنسية كلودي فايان المعنون «كنت طبيبة في اليمن» ترجمة الأستاذ محسن العيني، وهي ترجمة من نوع السهل الممتنع، شائقة رائقة، ومن عجب أن صاحبها يعتذر في مقدمته عن عدم تمكنه من اللغة الفرنسية بالقدر الكافي، وهذا من باب تواضع العلماء، ولا أظن أحداً يجرؤ على ترجمته ترجمة مغايرة.. على كل حال وقع الكتاب في يدي هذا الأسبوع فأعدت قراءته فوجدتني كأنني لم أقرأه قبلا واستمتعت به أيما استمتاع، فمؤلفته الدكتورة كلودي فايان متبصرة ومتبحرة ومغامرة وذات أفق إنساني عالي الحساسية إضافة إلى شغفها بتدقيق المعلومات وتقليبها على أوجهها المختلفة لمقاربة حقائق الواقع، وقد رسمت صورة «بانورامية» لليمن تحت حكم الأئمة يمكن أن تتحول إلى فيلم يشبه أفلام الخيال العلمي لراكبي كبسولة الزمن التي تعود بهم القهقرى إلى أزمان سحيقة، فقد بدا اليمن أمام تلك الفرنسية المتنورة القادمة من باريس مقطعاً من زمن سحيق أحفوري، وكما أتمنى لو أن كل شاب يمني يقرأ هذا الكتاب الذي وضع في منتصف خمسينيات القرن الماضي ليتأمل بعض موروثنا الثقيل الكئيب وفي مقابله ما استشفته تلك الطبيبة الباحثة التي جمعت بين عالمي الرجال والنساء في مجتمع منقسم، من خصائص حضارية وراقية في الإنسان اليمني العادي الذي يمكنه بقدر من العلم والإرادة، وشيء من الحظ أن يلحق بالعصر ويبدع أيضاً.

ما علينا.. فقد بدأت الموضوع وعنونته مسبقاً على غير عادتي لأقدم للقارئ الصورة التي رسمتها المؤلفة لشخصية شهيرة جداً عاشت في عدن، وهو «أنتونان البس» الفرنسي الذي كان أشهر حتى من حكام عدن الإنجليز، وكان يعرف اختصاراً للناس بـ «البس» فجاء اسماً على مسمى، وقد زارته الدكتورة في منزله بكريتر في فترة شيخوخته بعد خمسين عاماً قضاها في عدن وتوفي بعد عام من تعرفها إليه في أوائل خمسينيات القرن المنصرم.

كتبت تقول:«أنتونان البس تاجر فرنسي أقام منذ خمسين عاماً في عدن- أي أنه وفد في مطلع القرن العشرين وعاصر الحربين العالميتين- وبهمته وذكائه وحظه ظفر بإمبراطورية اقتصادية حقيقية في البحر الأحمر وعلى المحيط الهندي، وأساطير البس يتناقلها الناس في عدن ولا يفرغون منها».

وهذا كلام صحيح سمعته بأذني رغم أن الرجل قد توفي، ولكن الإمبراطورية كانت قائمة، وإذا جاز لي أن أشبهه اليوم فبـ«بيل جيتس» أغنى رجل في العالم، وذلك طبعاً على مستوى عدن، ولا أنسى اليوم الذي كنت أسير فيه نحو صيرة عابراً الخليج الأمامي بجانب قصر سلاطين لحج المعروف، فإذا بي أمام «فيلا» كأنها من الزمرد والمسبح المغطى بالرخام الأزرق تتلألأ فيه المياه وامرأتان غربيتان تسبحان بالمايوهات، وقد حول الناس طرقهم إلى البحر وهي عديدة إلى تلك الطريق الفاتنة.

ولكن هذا الرجل المتمول الذي كان يسهر على رفاهيته العديد من اليمنيين وكان من ممتلكاته التي لا تحصى فندق «كريسنت هوتيل» الذي وصفته المؤلفة بأنه قصر فخم، ما هو رأيه فينا؟ اربطوا الأحزمة: أسر للدكتورة بالنصيحة التالية:

«إن اليمنيين ليسوا سوى مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق وستلقين بنفسك إذا ذهبت إلى صنعاء بين فكي الذئب. لو كنت ابنتي لمنعتك من السفر، ولو كنت صديقتي لتوسلت إليك أن تعدلي عنه، ولكنك لست ابنتي ولا صديقتي، لذلك أكتفي بالقول: لا تسافري.. ستندمين إذا فعلت».

أما تعليق الدكتورة الساخر:«سأذهب لأرى هؤلاء اللصوص الذين تجاسروا ورفضوا أن يقدموا محصولهم من البن لمسيو ألبس».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s