كل خميس:المنفى الأشد هولاً..!!

لكأن الأديب تلك الصدفة الفارغة تلهو بها الامواج، مرة تلوحها الشموس في الاعالي واخرى يستضيفها الظلام في سجن الرمل المتوحش في الاعماق، او انه تلك الوردة التي تصد عذابها اللذيذ، وهي ترقص كالطير مذبوحاً من الالم، الشاعر الشعبي اليمني:

 

يليتني وردة بمدرب السيل

لاحد يقول لي لا غلس ولا ليل

ثم لاتلبت الموهبة وما كتب لصاحبها من المعاناة ان تحل فيه كاللعنة اوكذلك الحيوان الصغير الرخو الذي يسكن الصدفة الفارغة فتمتلئ بالعذاب والابداع، لان شوكة ما قد وخزته وأرَّقته، فدموعه تسيل لتصبح لؤلؤة على جيد الحسان تباع باغلى الاثمان، وهكذا يضيع دم اللؤلؤة في العيون التي في طرفها حور.

اترى الصدفة هي المنفى، والاديب هو المكلف بتنظيم حفل غناء صاخب في صميم الوحشة؟ ربما.. فمامن تفسير منطقي للولاءات الروحية وتجلياتها الآنوية، ذلك انها حياة موازية لحياة مواتية، ويبدو ان في داخل كل انسان الفصول الاربعة التي في الطبيعة الام، ولكنها في الطبيعة عاملة بالقوة، وفي البشر تتدفق بلا متنفسات سوى عند ارباب القلم وارباب الوتر واصحاب المزامير والقابضين على عقولهم قبض السحرة على النار، وهم قلة في كل الاحوال، وفي كل العصور، انهم ينهضون بفرض الكفاية نيابة عن المتلقين الذين يستأنسون بثمار المواهب، ويأبون عليها كفاف العيش، وقد تنبهت الحكومات النابهة التي لا تغرق في فنجان هموم، الى ان شرارات المبدعين ضرورية لاذكاء الحريق الكبير الذي ينفي خبث الحديد ويحيله الى فولاذ في مسيرة الحياة الصاعدة، فاوعزت الى من يهمه الامر بان يبسط يده كل البسط دون من ولا اذى، ولكم كان خالد الرويشان نموذجاً وطنياً رائداً في هذا الميدان سن من السنن الحسنة ماجعل الحياة الابداعية ربيعاً دائماً لشعبنا، اما وقد رؤي ان يتالق في ميدان اخر ينتظره فاننا نتمنى من وزير الثقافة الجديد محمد ابو بكر المفلحي ان يزيد في السنن ولا ينقص، ففي القعول والمواهب استثمار لايفوقه استثمار، وفي الفرح واغناء الثقافة وتزكية الجمال ما يجعل الانسام تتدفق لتنظيف البيئة من وخم الجمود، وفي الوزارة الجديدة ورئيسها الممتلئ بالحماس والعزم ما يجعلنا على وعد بعيداً عن اي وعيد الا ما ينتظر الفساد والمفسدين من نار حامية تكوى بها جباههم وتسمل بلهيبها اعينهم، وعسى الا يتأخر ذلك فتخمد النار رويداً رويداً ثم تنطفئ ليبول على رمادها الثعالب.

ماعلينا.. فقد بدأت بشيىء وها ئنذا انتهي بشيء، ويبدو لي ان الهموم حين تتواشج تتناسج فما يدري القلم مايصيد.

الشاهد انني كنت أتأمل في نص لعلي محمد سعيد «ادونيس» بعنوان (سكان اخر في ماوراء الوطن والمنفى) وهو شهادة كتبها لندوة «الادب والمنفى» التي دعا اليها المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في الدوحة بقطر مارس الماضي ونشرتها جريدة الحياة اللندنية، وقد وعدنا بدءاً «انه سيقص حكاية منفاه، داخل مواطنته، من دون تستر وراء قضية، من دون دعاوى رسولية أو رسالية، ودون حجب للفردي الخاص باسم الجمعي العام، ومن دون اي نزوع ايديولوجي يحرف ويموه ويرائي».

ويبدو لي ان كثرة «المادونات» كانت تذكيراً بنفسها اكثر ما هي محواً لها: «صار ما يسمى المنفى مكانا للطمائنينة والعمل، وامكانا لممارسة الحرية، ولا يكون المنفى في المكان وحده، المنفى قائم كذلك داخل الذات، في اللغة ذاتها، وقد يكون اشد هولاً في مسقط الرأس منه في اي مكان آخر».. هل بلغت اللهم فاشهد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s