الذكي والمتذاكي

التذاكي هي العملة المفضلة لدى الخائبين، لأنه يعفيهم من الذكاء الحقيقي الذي يميل إلى مد الجسور لا إلى تلغيمها، والمتذاكي إنسانٌ مغرور يفتقد إلى فضيلة التواضع، ويأنف من العمل المثمر، الذكي يمد يده إلى الآخر وهو يقول: “على بكرة الله تعالى لنمضي سوياً، فأمامنا الكثير من العمل”، والمتذاكي يعقد يديه وراء ظهره وهو يقول: “العمل لن يتم إلا بجهدي، وجهودي ليست للبيع، أتحداك أن تنجز المهمة إن كنت فتىً”.
الذكي هادئ، يتأمل في خريطة الواقع وينظر إلى موطئ قدميه، ويقدر الأحمال التي عليه أن يعبر بها من مكان غلى آخر، والمتذاكي موسوس، يتأمل في خريطة أوهامه، وهي في العادة ملساء لا إحداثيات عليها، ثم يقفز بخياله إلى حيث يتمنى، وهي عادة قفزة في الهواء، أي في الفراغ، حيث لا تحت ولا فوق ولا شمال ولا يمين، وهو في العادة لا يحمل أية أثقال، فمن ذا يحتاج أحمالاً إلى لا هدف؟
الذكي مليء بالصمت، والمتذاكي طبل صخاب، الذكي يعدك ولا يهدأ له بالٌ حتى يفي، والمتذاكي يعدك ولا يهدأ له بال حتى يجد الأعذار التي يتنصل بها من وعده. الذكي أوفى لا يحمّلك الجمائل ولا يتوقع منك الثمل، والمتذاكي يحسب كل وعد لم يف به ديناً في رقبتك، وهو عادة يقول لك أمام الناس مُرني، أنا تحت أمرك، فإذا احتجت إليه تجده أحوك إليك من حاجته إلى نفسه، وإياك أن تغريه بالبكاء، فستغرق في دموعه، ثم يصير لزاماً عليك أن تحل جميع مشاكله، لأن التذاكي الكذاب قد قطع حباله من جميع الناس المحترمين، وأولئك الذين بأيديهم الحل والعقد، فهو كالهباءة لا شيء في لا شيء.
الذكي يشبه الجبل، كلما صعّدت فيه انداحت أمامك الرؤية، وبانت لك المعالم، وأطربتك الأنسام، وعرفت ما لم تكن تعرف، وأنت تخب في الوديان، والمتذاكي كالبئر، كلما هبطت فيها ضاقت بك الرؤية، وغمرتك الظلمة، وتقطعت فيك أنفاس الحياة.
الذكي شجرة مثمرة، إن لم تهنأ بثمارها استظليت بأفيائها، وإن كنت على مبعدة منها سرّك منظرها، والمتذاكي كأشجار الشوك في الصحراء، لا ثمر ولا ظلال، ومنظرها يجلب الكىبة إلى نفس الرائي.
عرفت متذاكياً لا يترك أحداً يتحدث، ويدعي العلم في كل شيء، فكان كمن يبيع الماء في حارة السقائين، لا أحد يشتري منه أو يبيعه، وسرعان ما يقع في أحابيله، فيتعثر بها منكباً على وجهه، وعرفت ذكياً يقيس سبعاً ثم يقطع عن علم وبصيرة، ينصت كثيراً ويتكلم قليلاً، وشعرت مراراً أن كلماته كبذار القمح، البذرة تنتج سبع سنابل, وفي كل سنبلة مائة حبة، لكم كان يبدو غنياً وهو مستور الحال، وواثقاً كمن يصنع قدره بيديه، مستغنياً كأن الغنى طوع بنانه.
الذكاء ذروة النبل والعطاء، والتذاكي ذروة البؤس والغباء، وإنما تشابها في اللفظ كما تتشابه عقود اللؤلؤ الأصلي مع ذلك التقليد الذي يصنع من البلاستيك، وعندما تأخذ الإثنين إلى الجواهري يحتفي بالأول حتى ليكاد يقبله، ويزدري الثاني فيرسله غلى المزبلة دون إبطاء.
أنظر حواليك يا رحمه الله، وميّز الأذكياء النبلاء من المتذاكين الأدعياء… وحذاري من الغش الذي لا يتبعه سوى الندم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s