ظاهرة صوتية

أثبتت الأيَّام واللَّيالي والحوادث السوداء، صحَّة صرخة المُفكِّر الراحل «عبداللَّه القصيمي» أنَّ العرب «ظاهرةٌ صوتيةٌ» لا يُقابلها أو يُصاحبها فعل، وفي ذلك الأوان، في خمسينيات القرن الماضي، نظر الكثيرون إلى «القصيمي» على أنَّه تعبيرٌ زاعقٌ بالكلمة المُجلجلة، يعكس إحباطاته وتشاؤمه الشخصي أكثر ممَّا يفحص ويُشخِّص حالة الأُمَّة، لكنَّ الرَّجُل كان ينظر إلى البعيد، كأنَّما يقرأ في كتاب الكوارث المفتوح على المُستقبل العربي، بمعنى أنَّه سبق زمنه المنسوج من الأوهام، تحرسها «فزَّاعات الطيور» الخشبية.

ويُفترض بـ «الصوت» أن يكون جالباً لخيرٍ أو دافعاً لشرٍّ أو مُنذراً بخطرٍ داهمٍ أو مُنبِّهاً إلى خطأ جسيم، وهُو بذلك يُحفِّز الهمم ويبعث على العمل ويدعو إلى الحركة، هذا بالنسبة للجسد الحيّ للفرد وللأُمَّة على حدٍّ سواء، حيثُ تتَّسق الحركة مع الفعل مع الصوت الذي يُشبه عوارض المرض المُعبَّر عنها بالحُمَّى المُؤشِّرة إلى مُعاناة الداخل، وهذا ما نُشاهده لدى أُمم العالم المُتحفِّزة لحفظ مُقوِّماتها بأُنوفٍ «حميَّةٍ» وسيوفٍ مسلولةٍ وألسنةٍ قاطعة، أمَّا الصوت الصارخ في البرِّية، تتلاجبه الجبال ولا يبلغ ضمائر النساء والرجال، فهو أشبه بصوت الطبل الخاوي من الداخل، يبلغ الآذان فتمجّه، لأنَّها لا تُميِّز إن كان إيذاناً بتجييش الجيوش أم أنَّه دعوةٌ إلى اللَّهو والرقص، و«هِزّ المزهر يا عبُّود».

استمع الآن إلى التداعي الصوتي حول تقسيم العراق الذي أقرَّه الكُونجرس الأمريكي بأغلبيةٍ ساحقةٍ وسلَّمه إلى السُّلطات التنفيذية تحت عنوان «غير مُلزم»، أي أنَّه أنالها مُوافقةً مُسبقةً على فعلٍ مطلوبٍ ومرغوبٍ أمريكياً، لتسهيل مُهمّتها في استنقاذ القُوَّات الأمريكية من أهوالٍ مُتوقَّعة، ولينشغل كُلّ جُزءٍ من العراق بنفسه ومصائبه وأحلام مغانمه.

الشاهد هُنا لا يكمُن في ما أُعلن، فالأمر كان هكذا مُنذُ تمَّ غزو العراق وأعلن المُفوِّض السامي «بريمر» تفكيك الدولة العراقية وحلّ الجيش وإرساء معالم نظامٍ طائفيٍّ مذهبيٍّ لم يلبث أن كشَّر عن أنيابه باتِّجاه التقسيم عملياً، بغضِّ النظر عن بعض الأقوال، فالتطهير العرقي الذي جرى على امتداد العراق تحت سمع وبصر الاحتلال، لم يكُن له من معنىً سوى ما استخلصه الكُونجرس الأمريكي بتوافق الهوى بين مصلحتين.

والسُّؤال : «ماذا فعل العرب؟»، لا شيء سوى الشجب والاستنكار، ثُمَّ الاندفاع إلى الجُحور القُطرية وإخفاء الرُّؤوس والغطّ في لذيذ المنام، ويُعتبر الشجَّابون، الذين ملَّتهم الأقلام وضحكت منهم الطُّروس، على رأس كتائب الشُّجعان، لأنَّ بين العرب مَنْ يخاف حتَّى من الهمس إلى نفسه داخل مخدعه.

لقد كسَّر العرب أقواسهم بشتَّى أشكالها، العسكرية والاقتصادية وحتَّى الدُّبلوماسية، وهي أضعف الإيمان، ولم تَعُدْ تُغطِّيهم حتَّى ندامة «الكُسَعي» حين كسر قوسه :

«نَدِمْتُ نَدَامَةً لَوْ أَنَّ نَفْسِيْ

تُطَاوِعَنِيْ إِذَاً لَقَطَعْتُ خَمْسِيْ

تَبَيَّنَ لِيْ سِفَاهُ الرَّأْيْ مِنِّيْ

لَعُمْر أَبِيْكَ حِيْنَ كَسَّرْتُ قَوْسِيْ»

على كُلِّ حالٍ، الضرب في الميِّت حرام، ولا يُفيد البُكاء على اللَّبن المسكوب، وكلمةٌ في جريدةٍ لن تُقدِّم أو تُؤخِّر شيئاً في مَنْ أدمنوا الهزائم واستمرأوا الإهانات حتَّى صحَّ فيهم قول «المُتنبِّي» :

«مَنْ يَهُنْ يَسْهُلَ الْهَوَانُ عَلَيْهِ

مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيْلاَمُ»

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s