المُزن الماطر…

(المزن الماطر) قصائد وزوامل ومساجلات الشاعر الشعبي عبدالله عمر المطري، أحدث إصدارات الباحث المجتهد الدكتور علي صالح الخلاقي، الذي نتنظر منه الكثير الكثير، قياساً بما أعطى حتى الآن، ترجمةً وتوثيقاً وتأليفاً، وله من العطاء: سُقطرى… هناك حيث بُعثت العنقاء ترجمة عن الروسية، عادات وتقاليد حضرموت الغربية عن الروسية، الشائع من أمثال يافع، ديوان محاصيل القدر للشاعر الشعبي يحيى محمد الفردي، يحيى عمر اليافعي (شلّ العجب… شلّ الدان)، مساجلات الصّنجي والخالدي، عادات وتقاليد الزواج وأغانيه في يافع، شاعر الحكمة: صالح سند…خير من نشد، وفراسة شاعر ساجل نفسه.

وكما نرى فإن الدكتور علي يتميّز بالمقدامية التي يتهيّبها مبدعون كثيرون ينخلهم الزمن حتى يجدون أنفسهم قد تيبّسوا دون أن يبدعوا زهرة واحدة، رغم أن في دواخلهم ينابيع متدفقة للعطاء هُجرت فرُدمت وغيضت مياهها. والدكتور يرتاد في مختاراته المناطق التي يوشك الوقت أن يداهمها بصمته، فهو يستنقذ من فم الزمن الذي لا يرحم ما يمكن أن نسمّيه “تاريخ ما أهمله التاريخ”، هكذا، هكذا، وإلا فلا…

وفي شعر عبدالله عمر المطري في ديوان (المُزن) نفائس من القول، وبدائع من الحكمة، وأشواطاً من الفروسية الحقّة، والرجولة الصادقة، والقدوة الحسنة، والحب الغامر، والمنافسة الشريفة، والسّجال الذكي البارع مع مبارييه الذين نازلوه نزال الندّ للند دون أن يغشّوا في الموازين، أو يشتطّوا في الكيل، ذلك أن اللعب النظيف في الشعر الشعبي يفوق في الأهمية تسجيل الأهداف، ولطالما كانت النتيجة: لا غالب ولا مغلوب، وهذا هو المعيار الماسي لفرسان الميدان أمثال: شايف محمد الخالدي، حسين منصر هرهره، ناصر عبد الميسري، محسن بن محسن اليهري، محسن محمد الصريمي، حسين عبدالحافظ هرهره، حسين عمر عقيل، علي يحيى السليماني، عبدالله حسين المسعدي، أحمد حسين بن عسكر، أحمد سالم برمان، عوض محمد المطري، صالح محمد القعيطي، يحيى محمد الفردي، علي محمد أبو جناح، صالح محمد هرهره، وأحمد محمد حسين شوقي الحفّاظة وعاشق الشعر الشعبي الذي عرف شاعرنا عبدالله عمرعن قرب ومنذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، وهو الذين أرسل إليّ الديوان مع إهداء ظريف قال فيه: “إلى فاكهة الثقافة اليمنية الذي يزداد مع مرور الزمن تألقاً وتوهجاً، الأستاذ الأديب والنقيب فضل النقيب”. أخجلتم تواضعنا والله يا سيدي وما أنا إلاّ من (غُزيّة). وكنت قد قرأت قبل ذلك بحثاً لـ (شوقي) حول الشاعر أرسله إليّ في أبوظبي، فوجدت فيه فناً رفيعاً في الكتابة التصويرية، والإحاطة الثقافية، وسلامة النظر النقدي المغمّس في الحب والعاطفة، لا ذلك النقد الذي يشبه السموم الكاوية. وكم تمنّيت لو أن شوقي شق طريقه في هذا المضمار، خاصة وأن آباره تفيض بمخزونها، ولا يحتاج سوى إلا الدّلاء والرشاء.

وكمثال أوُرِدُ هذا الوصف الذي نقشه شوقي للشاعر عبدالله عمر المطري، وهو يجسّد ما أعنيه بالكتابة التصويرية: “إلى جانب كونه من فحول الشعر الشعبي، فهو شخصية معروفة، ويتمتّع بتأثير واسع، وهو مرجع في الأعراف القبلية بأحكامها وأمثالها، وكان له حضورٌ مدهش حينما يلقي قصائده أو قصائد غيره، بحيث يُصغي الحضور لسماعها كأن على رؤوسهم الطير، وتُحبس أنفاسهم لالتقاط كل ما يصدر عن (العاقل)، وهو الإسم المحبّب الذي عرف به بين أبناء قبيلته وكل من عرفه، إلى جانب هيئته المهيبة، ومحياه الجميل، وملابسه المتميّزة الأنيقة، وجنبيته الفخمة، وبندقيته (البلجيك) التي طالما كانت جزءاً مكملاً لمظهره. وقد كان بشعره ومواقفه شخصية وطنية أصيلة، ومُصلحاً اجتماعياً لا يُشقّ له غبار”.

أليس هذا النص القصير إعلان بميلاد كاتب وقلم رشيق؟! فشكراً للدكتور الخلاقي الذي قدّم لنا عبدالله عمر، وكشف في مقدمته المستفيضة عن الشاعر والكاتب والباحث أحمد محمد حسين (شوقي)… وللموضوع صلة، فنحن لم نتحدث عن الشعر، فقد أخذ الكلام بعضه برقاب بعض.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s