«دفاتر الأيام» الصفراء (سمير عطا الله)

نشرت في جريدة الشرق الأوسط في يوم السبـت 20 صفـر 1428 هـ 10 مارس 2007 العدد 10329

رابط المقال

 «ذهبت إلى كلية عدن فاستقبلني العميد عبد الوهاب عبد الباري، وهو من أخف خلق الله دما وأشدهم سخرية، فأخذني في جولة في الكلية وخلفنا تسير ست أغنام. سألته عنها، فقال، يا ابني افهمها.. تربية الأغنام أفضل من تربية هذا الجيل الطالح. انصحك الا تعلم الطلبة أي شيء. انا وانت وجميع المدرسين نشتغل سجانين».

سمير عطاالله
سمير عطا الله

هكذا يبدأ الاستاذ فضل النقيب في «دفاتر الأيام» تصوير المشهد السياسي والاجتماعي في عدن السبعينات بعد عودته خريجا من القاهرة. وقد بقي اربع سنوات في الجنة الماركسية مديرا للتلفزيون والاذاعة، وعندما ارسل في وفد ادبي الى صنعاء، وحلقت به الطائرة وتأكد انها اصبحت في الجو، مال على اذن رفيقه واخبره انه لن يعود. ومال رفيقه على اذنه واخبره أنه غير عائد. تبدأ الصورة هزلية في «دفاتر الأيام»: الطلاب يحضرون معهم بقايا الخبز والاعشاب لاغنام العميد التي اصبحت تدخل الى الصفوف لتبترد وتقضم أحذية التلاميذ، ثم تتطور الى مشاهد مرعبة في بلد تسيطر فيه «اللجان» ويساق رجاله الى الاعدام بعكس اغنام الجامعة وفي الصفحات التالية لا يعود في امكانك التمييز بين المسخرة والمأساة في اليوميات العدنية «فقد كنا في زمن لا يعرف فيه المقتول من قتله». وتغلب دائما الفكاهة في اسلوب المؤلف «وهو رجل يشبه تلك الصناديق الخشبية السميكة التي كانت تستورد من الهند للعرسان الجدد والتي مهما قرعت ظاهرها فلن تعرف ما بداخلها».

كان النقيب رئيسا لدائرة الاخبار في الاذاعة بادئ الأمر «لكن لم تكن هناك أخبار ولا من يحزنون. ان هي الا المنشفة نفسها نغمرها في الماء كل يوم ثم نعيد عصرها في الميكروفون مستمطرين اللعنات على امريكا والامبريالية ومسبحين بحمد موسكو والاشتراكية». ويروي ان اليمن الجنوبي وقع في قلب الصراع بين موسكو وبكين. وان ماوتسي تونغ قال للرئيس اليمني ووفده: لماذا تبنون المؤسسات؟ يجب أولا ان تهدموا كل شيء ثم تدمروا الجزيرة العربية وبعدها يكون وقت كاف لبناء المؤسسات. ويروي ضاحكا استقواء المرأة في الحزب الشيوعي، حتى ان زميلا له سمى زوجته «الأخ ثريا». وفي البداية اعترضت ثم طاب لها الأمر. وذهب مرة برفقة الشاعر محمد سعيد جرادة للغداء في منزل احدى المذيعات «وقد لاحظت سطوتها المخيفة في المنزل، حتى لتشعر ان الفناجين والسكاكين والصحون ترتعد من الخوف، وهذه صفة غالبة في نساء عدن، لذلك عندما قال لي صديقي الجزائري «بده مكي» ان هناك مثلا جزائريا يقول: من لم يؤدبه اليمن ادبته نساء اليمن، صححت له بالقول: نساء عدن».

«كانت عدن في مطلع السبعينات تغلي في فوهة بركان وقد اخذ الناس بالتدريج يتحولون الى اشباح، وجوه مصفرة، اجساد هزيلة، عيون زائغة، شعور منكوشة تجللها الغبرة، وأخذ الكثيرون من الناس والعائلات يهيمون على وجوههم بحثا عن لقمة تسد الرمق بعد ان شحت الموارد عقب التأميمات التي شملت كل شيء».

«دفاتر الأيام» لا يتجاوز 120 صفحة. لوحة سوريالية مفزعة عن المرحلة الماركسية التي كان فيها ارسال الناس الى الموت مثل ارسال الأولاد الى المدارس. يقول الصحفي صالح الدحان: «كل فنجان قهوة اشربه يكلف الدولة عشرة فناجين. هناك عشرة في المقهى يراقبونني».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s