عقلاء المجانين

قال وزير الخارجية الفرنسي (فيليب دوست بلازي) إن العراق على وشك التقسيم، وإن الحل الوحيد يكمن في انسحاب القوات الدولية بحلول 2008م وفي إعادة دولة القانون.
ويبدو أن الحديث عن التقسيم الوشيك هو رصد لما يجري على الأرض في العراق، فقد تم إنجاز الجانب الأكبر من التهجير والقتل على الهوية الطائفية، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، ولم يعد عراقيو الطوائف يلتقون ببعضهم على “استكانة” شاي و “الله بالخير عيني” إلا في المنافي المغمسة بالذل والهوان والتهديد بالترحيل وانعدام الأرزاق وضياع مستقبل الأولاد، وهكذا تأتي المصائب زرافات، والذين يضعون أقدامهم في الماء ليسوا كأولئك الذين أقدامهم في النار و”اللي مضيع ذهب بسوق الذهب يلقاه، أما المضيع وطن وين الوطن يلقاه”… آه يا عراق… قلبي معلم على الصدعات…
أما “الوشكوك” أو “الوشوكية” في تعبير (بلازي) فلأن أعين الطوائف تحدق في عصامة الرشيد بغداد لتمزيقها إرباً إربا، وهذه مهمة قذرة لم تنجز بعد صورة كاملة، وقد اختلط الحابل بالنابل، فالحكومة لا لون لها لأنها من لون واحد، ولا يستطيع أحد التنبؤ بما ستتخذه من موقف تجاه أي موقف، ولا التأكد من أن ما يقال باللسان يطابق ما في النوايا لأنها في التحليل الأخير صنيعة مليشيات تتقاسم الكعكة العراقية التي أصبحت سماً زعافاً، والمطلوب رأس المليشيات التي في رأسها الفتنة، وقد أمن الذي على كلام (بلازي) الذين نصفه استقراء ونصفه الآخر تمنيات ضيفه وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني الذي قال: “حتى المسؤولين العراقيين غير قادرين في الوقت الحاضر على التخطيط لأي شيء بالنسبة إلى العراق” مشيراً إلى الفوضى.
وفي تقليل من أهمية المؤتمر الدولي المنتظر الذي يجمع “الشامي على المغربي” في خلطة يسميها إخواننا المصريون “سمك لن تمر هندي” قال بن جبر إن دول الجوار قد تساعد وقد لا تساعد، لكن على العراقيين أن يعتمدوا على أنفسهم في المقام الأول في التصدي للمليشيان وطمأنة مجمل الشعب العراقي.
وفي تحليل مضمون كلام الوزيرين لا نجد غير البلبلة وآثار الفوضى “الخلاقة” التي نشرها الإحتلال، فإذا كان الوزير (بلازي) يتحدث عن تقسيم وشيك – وهذا تقييم مشترك مع بن جبر كما ذكر – فكيف سيقود الإنسحاب الأجنبي إلى دولة القانون في 2008م، والتي يبدو أنها نكتة سمجة في ظل التقسيم الفعلي والطوفان الطائفي الذي لن تنجو منه حتى سفينة نوح الأمريكية التي جلبت معها من كل زوجين انثنين من عرافيي الخارج الذين لا سند لهم غير دعاء الوالدين والجيوش الغازية التي أفسحت لهم مكاناً في غرفة الإنعاش باملنطقة الخضراء التي تنبئ بالتحول إلى اللون الأحمر حيث يعزل (المارينز) عن طريق الجو لأن البحر كما تؤكد الإحداثيات لن يكون سوى فخاخ قاتلة. وكيف تقضي الحكومة على المليشيات التي جلبتها إلى الحكم، فمثل هذا الطلب بالنسبة لها كمثل من يطلب من إنسان ما أن يفقأ عينيه ليبصر جيداً.
وقديماً قيل: “إذا كان المتكلم مجنوناً فليكن المستمع عاقلاً”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s