النسر المخضرم

روى الأستاذ (محمد حسنين هيكل) الصحافي الكبير المرشد كفنارات البحار التي ترسل أضواءها الكاشفة في الليل البهيم لهداية السفن الماخرة والتائهة، وتجنيبها مخاطر الصخور البحرية في المياه الضحلة، روى أنه تحدث ذات يوم إلى أحد السفراء الأمريكيين في القاهرة، فكان مما قاله له ضمن متشعب “إن أميركا أكبر من أن يتجاهلها أحد”.
ويبدو أن السفير الأمركي المعني استشف آنذاك أن الأستاذ (هيكل) عازف أو متردد في الذهاب إلى الولايات المتحدة للتعرف إليها عن كثب، فقال كلمته تلك والتي عبرت عن حقيقة عالمنا والدور الأمريكي في السياسة الدولية، والذي أخذ يتصاعد على مستوى الكون منذ الحرب العالمية الثانية، حتى استوى على العرض وحيداً منفرداً منذ سقوط جدار برلين وماتلاه على عجل من سقوط المعسكر الاشتراكي الذي كان يوازن الكفة الأخرى لميزان العلاقات بين المعسكرين وبينهما وبين الدول الشاردة خارج المدارين.
أمريكا لا تزال قطب أقطاب العلام حتى إشعار آخر، أو حتى يظهر في طريقها (ثقبٌ أسود) يستدرجها إلى مصائر الإمبراطوريات التي سبقتها ممن استسهلوا ثمار القوة وتنكبوا مشاق العدالة التي جسدها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستحق معها كلمة موفد كسرى: “حكمت فعدلت فأمنت فنمت”، وكان عمر نائماً في ظل شجرة في العراء تحت سماء الله المفتوحة بلا حرس ولا عسس.
والأستاذ هيكل لا يزال قطب أقطاب الصحافة والصحفيين العرب، معيناً لا ينضب للعطاء، ونجمه يتصاعد ويمضي بعيداً، فمن الصحافة المصرية إلى ساحات الصحف العالمية، قلماً عربياً مرموقاً وموثوقاً وذا مصداقية، وقد قادته الشهرة إلى عالم الكتب في تحقيقات فسيحة لا تتسع لها الجرائد، فكان فيها القلم الرشيق، الغزير المعلومات، لا يثقل على قارئه بالإكراه المعرفي، وإنما يشركه معه في التفكير والخلوص إلى ما يناسب فهمه ويساير تجربته، وهذا فن رفيع في الكتابة ينطبق عليه المثل اليمني “لو كل من جا نجر ما بقى في الوادي شجر” وهو – أي الأستاذ (هيكل) – يتعرض لهجمات لا توفر قدحاً وإن كانت واهنة الحجج كبيت العنكبوت، وعموماً فإن الأشجار المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة، والرجل بخبرته الطويلة وثقته العالية بالنفس يواجه كل ذلك بابتسامة عريضة تذكر بقو العقاد في النسر معمّر:
لعينيك يا شيخ الطيور مهابة=يفر بغاث الطير عنها ويهزم
ما علينا… فهيكل أدرى بما في شعاب مناوئيه، وأقدر على كيّهم في مواضع الألم، وقد استضاف مؤخراً الصحفي الأمريكي الشهير (سيمور هيرش) الذي كشف وقائع التعذيب في سجن (أبو غريب) في بغداد، وذلك ضمن أنشطة مؤسسة هيكل للصحافة العربية في ورشتها التدريبية الأولى لشباب الصحفيين، وقد ألقى (هيرش) محاضرة في نهاية الدورة قدم لها (محمد حسنين هيكل) الذي شكر الجامعة الأمريكية بالقاهرة على استضافتها مشيراً إلى أن جامعة القاهرة رفضت المحاضرة لأسباب أمنية كما ذكرت، وأن جهات أخرى لم يود الحديث عنها رفضت استضافة المحاضرة أيضاً والسبب كما أخبروه أن (سيمون هيرش) يهودي الجنسية، وعلق ساخراً: “من العجب أن نتحدث عن يهودية هيرش في ظل دولة استضافت (دايان) و(مناحم بيجين) و(شيمون بيريز)، وننسى أن هيرش ساعدنا في الكثير من القضايا وهو الذي كتب عن البرنامج النووي الإسرائيلي.
للحدث صلة… إلى الغد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s