عطر الكتب

الأسبوع الماضي أخرجت الوديعة الثمينة من صناديقها، وعدت لأكحل عينيّ بمرأى الكتب، وقد شعرت بعمق أن البيت صار أغنى والصالة صارت أحلى، وحتى المصابيح صارت كما فساتين نزار قباني ونجاة الصغيرة المحتفية بعودة الحبيب «حتى فساتيني التي أهملتها.. فرحت به رقصت على قدميه..» فقد لاحظت أن نور الكتب يتماهى مع نور الله وأنوار الكهرباء كما تتماهى مرايا دكاكين الحلاقة من فئة النجوم الخمس وهي متقابلة فيبدو معها الزبون وقد تناسل عبر الجدران آلاف المرات إلى ما لا نهاية.

 

أما قصة ذلك فقد قُلعت من عملي ذات يوم من ذات شهر من عام 2000، ربما لأنني أطلت المكوث فيه (15 عاما) والإنسان في نظر الآخر كالماء «إن يجر طاب وإن لم يجر لم يطب»، كما أن «عين الرضا عن كل عيب كليلة.. ولكن عين السخط تبدي المساويا».

ما علينا فقد كان علي أن أغادر سكني ضمن مهلة ضيقة، علما أن مستحقات خمسة عشر عاما بالكاد تكفي لإيجار عام واحد مع عيشة ضنك وشد للأحزمة على البطون، وقد أبلسنا جميعا، أنا والأولاد وأمهم، ننظر في وجوه بعضنا ثم ننفجر بالضحك، و«يامعين الضنا عليّ أعني على الضنا» وقديما قيل «إن شر البلية ما يضحك» وقد كان .

 

رتبت كتبي في ستة كراتين كبيرة، وهي أثمن ما أملك وما عداها مما جلبت الريح فلتأكله العاصفة، وقد أودعت الكتب التي كانت معززة مكرمة في البيت في مستودع تجلده الشمس نهارا وتكظمه الرطوبة ليلا، وتسْفِيه سوافي العراء كأنما أودعتها قبر حرب المشهور، فقد كانت غريبة بين بضائع ليست من جنسها:

 

وقبرُ حربٍ في مكانٍ قفرٍ

 

وليس قُربَ قبرِ حربٍ قبرُ

 

مشكلتي بفضل من الله وبمكرمة من رجل كبير جرى حلها بيسر على طريقة «إن الرزق لَيطلب أحدكم حتى ليكاد يجذبه من تلابيبه» أو كما قال، ولكن أسر كتبي طال، وكلما تذكرتها خفق قلبي كقلب مجنون ليلى:

 

كأن قطاةً علقت بجناحها

 

على كبدي من شدة الخفقان

 

وقد تكاثرت علي الكتب الجديدة كما تكاثرت الظباء على خراش، فما يدري خراشُ ما يصيد، فأرعى في هذا ساعة من الزمان، وأقضم من ذاك قضمة لا تُشبع، ومن الآخر رشفة لا تشفي الغليل، ثم أقع على كتاب خصب «يشبع الرضيع ويدفئ الضجيع» كذلك الوصف الجاهلي للحسناء الكاعب نؤوم الضحى فأحتازه أياما لا يفارقني. ذلك أن الكتب ليست مصفوفة على عرشها في المكتبة فتطمئن إلى وضعها ونطمئن نحن عليها، وإنما هي مطاردة داخل البيت، تفرد إفراد البعير المعبّد، أي المدهون بالقطران لجَرَبِهِ على حد تعبير طرفة بن العبد.

 

وفي الأسبوع الماضي عقدت العزم على رد الاعتبار لجديد الكتب وابتعاث قديمها من كراتينه صونا له من البلى، وقلت لهم في البيت «لا صوت يعلو فوق صوت الكتب» وقد اشتريت عدة مكتبات من حاملات الكتب لأن ما يحمل التلفزيون والفيديو والكمبيوتر قد سرق التسمية في وقتنا الحالي، ولذلك وجب تمييزها. وها أنذا كمن رُد إليه بصره أتشممها كأجمل العطور الباريسية وأردد مع مسرور مبروك «أين بحر المانش من حقاتنا» وأيش عليّ أنا من الناس ويش على الناس مني.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s