واسمعي يا جارة

من المستحيل بقاء العالم والعلاقات الدولية على صورتها القبيحة الراهنة، لأن ذلك ضد منطق التاريخ الذي ينزع باستمرار إلى تصحيح العلاقات وإعادتها إلى الخطوط المتوازنة نسبياً كلما جمحت بسبب طرف من الأطراف وجد لديه فائضاً من قوة يريد أن يسوّس بها الآخرين وينتزع مجالاتهم الحيوية بل ومنافعهم ومصالحهم الطبيعية كما هو شأن واشنطن حالياً.
سياسة الإدارة الأمريكية الحالية لن تفضي إلاّ إلى الفراغ المدمر الموحش الذي غالباً ما يفصل بين الحقب التاريخية الحاملة للمتناقضات في حدودها القصوى والتي عادة ما تفرز عداوات متطرفة تتجاوز حدود المعقول وتتخطى كل الخطوط الحمراء.
ويدرك الكثير من المفكرين الاستراتيجيين مخاطر هذه السياسات ومآلاتها المدمرة، وقد تابعنا الرئيس الروسي بوتين وهو يخاطب المجتمع الدولي على طريقة “هذا إليك واسمعي يا جارة”، والجارة هنا هي واشنطن، التي شخص داءها ودواءها، فالداء هو الاستعلاء والانفراد وتجاوز القوانين الدولية، الأمر الذي سيقود واشنطن حثيثاً إلى تدمير نفسها، كما كان الحال مع هتلر وموسوليني، وأما الدواء فهو العودة إلى المشاركة واحترام القانون الدولي ليأمن الصغير الذي لا يمك قوة قب الكبير الذي لديه ما يدافع به عن نفسه، وقد جاء غزو العراق ليكشف بؤس تفكير الإدارة الأمريكية والمهاوي الخطيرة التي يمكن أن تقود إليها العالم الذي يشهد ثورات تقنية وتكنولوجية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، وهو يحتاج لإنجاز هذه القفزة الحضارية العظمى إلى السكينة والاستقرار وانفتاح الدول والأسواق على بعضها، الأمر الذي يقود بالضرورة إلى هيكل قانوني يحترم التعدد والتعابير الثقافية المختلفة، وكذلك مصالح الدول.
ولا يهم بعد ذلك رد الفعل الأمريكي العصبي على الرئيس بوتين الذي وصف انتقاداته وزير الدفاع الأمريكي (روبرت جيتس) بأنها “كلام فظ من جاسوس قديم”، في إشارة إلى خلفية بوتين المهنية السابقة في جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق (كي جي بي)، ذلك أن مثل هذا الكلام هو خارج الموضوع أساساً، ناهيك عن أنه يعبر عن العقلية نفسها التي انتقدها بوتين، والتي تعتبر أعمالها فوق النقد، ويبدو أن (روبرت جيتس) سيتفوّق على سلفه (دونالد رامسفيلد) في الغلاظة والشتائم، لتتحول بعد ذلك إلى برنامج سياسي وعسكري، مما يذكرنا ببيت الشعر العربي:
رب يومٍ بكيت فلما = صرت في غيره بكيت عليه
ما علينا… حتى لا نشغل أنفسنا عن مواكبة ولادة معادلة جديدة تفرض نفسها كأمر واقع شاء من شاء وأبى من أبى، فروسيا خرجت من غيبوبة السقوط المدوّي للاتحاد السوفييتي، والصين تهز الاقتصاد العالمي بعنف مثلما يفعل الخريف بأوراق الشجر، والهند أنشبت أظفارها بفردوس المعلوماتية، وسيقودها ذلك إلى كل أسرار القوة، وسيتبع هؤلاء خلق كثير في العالمين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s