بائع الجرائد

كان يبيع الجرائد بجانب مستشفى «صابر»، عمره في حدود الخامسة عشرة، متوقد الذكاء، منفرج الأسارير، نشيطا، ما إن يراني من بعيد بعين لماحة حتى يجري فيعطيني نسخة من أي عدد جديد غير عابئ بما أريد وما لا أريد: أنت قارئ جيد وأكيد ستجد في أي جريدة شيئا تفتقده أو تبحث عنه، هكذا يدغدغ غروري فأدفع الثمن وأنا أضحك ويكون ذلك جزءًا من بشارة يوم جديد في مدينة تعيش على باب الله، وقد تعددت أسماؤها فلم تعد تدري من ينتمي إلى من؟ الشيخ عثمان، المنصورة، القاهرة، البساتين، دارسعد، ومُدّ النظر باتجاه لحج مدينة التقنية ومُد النظر باتجاه عدن الصغرى، ريمي على كورنيش الدكتور يحيى الشعيبي، الذي وجد ما يهديه لمدينته، الدرين، المملاح، السنافر وأحياء أخرى بأسماء جديدة، حيث يسبق الناس السلطات إلى وضع الأسماء، وهكذا يبقى ما سماه الشعب ويندثر ما سمته السلطات.

العمران ينتشر والخدمات تلهث فتعجز عن اللحاق، وذلك الشاب بائع الجرائد يعود إلى ذاكرتي التي عجزت عن حفظ اسمه، وحين اكتشف ذات يوم صورتي على الصفحة الأخيرة من «الأيام» أخذ يفرك عينيه وهو يدقق في وجههي وفي الصورة، وقد خشي الخطأ أو أن أسخر منه إذا جزم بأنها صورتي، لذلك كان يرصد رد فعلي وأنا أتصنع الانشغال بقراءة العناوين ثم فاض صبره فقال بذكاء: مش ملاحظ يا عمي أن هذا الكاتب يشبهك، قلت له: يخلق من الشبه أربعين، خيبت ظنه بإجابتي التي لم تشف غليله، فقال: سبحان الله كأنه أخوك..قلت: بشحمه ولحمه. هنا انفرجت أساريره أكثر، فقال: والله إنه أنت، قدنا أقول ليش إنته مهتم بالجرائد، بس إنته غريب على المنطقة، قلت له: يعني.. نص بنص، قبل ما تولد أنت كنا ساكنيها، والمصلين صباحا ومساء، قال: ذلحين ما فهمتكش، قلت: با يجي يوم وبا تفهم، أيش اسم المنطقة؟ قال: ريمي، قلت: إذاً بيت «المرشدي» قريب، قال: أيوه..إنته تعرفه، تعال باوصلك، قريب ما تحتاج سيارة.. قلت له: خلاص بانسميه حي المرشدي، قال: والله صحيح مافيش حد في الشيخ والمنصورة ما يعرف «أبوعلي» وبيته. في الأطفال خير كثير، فلم تجفّفهم الحياة بعد، ولم تخالط مشاعرهم الصافية ضغائن العيش وكدر الأطماع الأشعبية. في العيد افتقدت الفتى وكنت أدوخ الثلاث دوخات للحصول على الجرائد. حقا إننا لا نعرف قيمة الشيء إلا حين نفتقده، ولذلك يقال إن الله قد منح الإنسان من النعم مالا يحصى ولكنه لا يقدرها حق قدرها وهي عاملة فإذا تعطل أي منها يدرك أن كل كنوز الدنيا لا تعوضها، خذ على سبيل المثال: الحواس التي بها نرى العالم ونسمعه ونشمه ونتذوقه ونتحسس ملمسه، وخذ كل الوظائف الداخلية التي تتعهد نفسها بالصيانة وتعمل مدى العمر إن لم يصبها مكروه غالبا ما نتسبب نحن فيه بإسرافنا على أنفسنا: القلب، الكبد، الكليتان، المعدة، البنكرياس، الجهازالعصبي، ما دامت بخير فنحن بخير، فإن اعتلّت إحداها مرض الجسد كله.

انقضت أيام العيد و«سبلة» العيد فظهر الفتى بائع الجرائد عائدا من قريته القريبة -البعيدة، وقد حياني بالاسم كما يظهر في «الأيام»، وهكذا أصبحنا صديقين ولاشك أنه لايزال مرابطا بجانب مستشفى صابر حيث رماه قدره، ولو كانت ظروفه وظروف مجتمعه أفضل لربما كان نابغة في أحد ميادين الحياة، ولكن، ما كل ما يتمنى المرء يدركه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s