العودُ أرمَدُ

أخيراً عدت إلى بلاد العرب في جزيرة العرب والعودُ أحمد – كما يقولون – وقلت لنفسي: “كحّل عينيك أيها الفتى بالأخبار التي غابت عنك طويلاً، أمّا أنت فلم تغب عنها لأنها كثيراً ما هَجَمتْ عليك في منامك فأوسعتك كوابيساً دامية، وأوسعتها دموعاً ساخنة، وكلّه بأجره”. المهم أنني وجدت نفسي كمن يحكّل عينيه بالرّمد، “أنا سبب نفسي بنفسي، جبت صبعي صوب عيني، آه يا حافظ على عيني”، مع الاعتذار والتحية للفنان الكبير (أبوبكر سالم بلفقيه).

كنت هانئاً بالعمى فلمّا أبصرت قلت ما قاله (أحمد الصّافي النجفي):

يا عودة للدار ما أقساها
أسمع  بغداد  ولا  iiأراها

ولو رأى (النجفي) الشريد ما رآه أحفاده لحمد الله على عماه.

كنت خلف أسوار الحضارات أتمترس بجهلي باللغات، وأعيش عالمي الداخلي كما أحبه وأرتضيه، “من ذا يعاتب سيداً في عبده!”. أتغنى بينابيع المياه، وأسبح في عيون المها، وكم من المرات ضبطت العصافير تعلوا فندقي ذي الثلاثين طابقاً في لمح البصر، ثم تهبط إلى مستوى الشارع في أقل من اللمح، لا يعتريها ذلك الإجهاد الذي يعترينا نحن معشر البشر من أكلة اللحوم، وقد قالي لي جاري الطيب في الطائرة من أبناء (عجمان) – وكان يرزح تحت كرش عظيم – “إبتعد عن اللحوم يا إبني، إن النفس لأمّارة بالسوء”، قلت له: “فعلاً… إن جهاد النفس هو الجهاد الأعظم”. والقضية ليست فقط مأكل ومشرب، لأن العالم بأسره لا يتّسع لنفسٍ نهمة، فإذا ما أُلجمت سكنت في ثقب إبرة وهي قانعة راضية:

والنفس راغبة إذا رغّبتها
وإذا  تُردّ إلى قليل ترجعُ

أو كما قال ابن سينا:

وتحسب أنك جرمٌ iiصغير
وفيك انطوى العالم الأكبر

مبحث النفس استهلك الفلاسفة، وأعيا أصحاب الكلام، وأفنى أعمار المتصوّفة، وأبرى أجساد المُتنسّكين الزاهدين، وقصف أعمار المتلذذين السّافحين، وسيظل يشغل البشرية ما دامت هناك بشرية، فقد ركّبها المولى عزّ وجل من النقائض.

في مطار (بانكوك) الجديد الذي سبق لي وصفه – حين الدخول بما انتقدت نفسي عليه – ذلك أنه تكشّف لي عند الخروج عن صرحٍ عظيم قلّ أن رأيت نظيره في مطارات العالم فخامة ورخامة وسوقاً حرّة يركض فيها الحصان حتى يغيب عن النظر. قلت لصاحبي: “هذا من ثمار التعجّل – المرّة – في الحكم على الأشياء دون الإحاطة بها، وهو من مساوئ الكتابة الإنطباعية”. ويبدو لي الآن أن صالات الدخول لم تكن منجزة، وكان مثلها في ذلك مثل عمارة مسلّمة على (العظم) بدون كساء ولا (فينيشنج) يجلو مراياها، أمّا حين الخروج فقد كان المطار مثل العروس في ليلة الدّخلة، وقد داخ (زوربا) السّبع دوخات وهو يتابع التفاصيل بكاميرتيه، فما من أحدٍ يمنع أحداً من التصوير، فقد اختفت في أكثر مناطق العالم لافتات (ممنوع التصوير)، لقد استدار العالم على عقبيه فوجد أن كل ممنوع مرغوب.

أخيراً عدت:

إلى الماء يسعى من يغصّ بأكله
إلى  أين يسعى من يغصّ بماء.

العراق يحترق كالنار تأكل بعضها بعضا إن لم تجد ما تأكله… الفتنة في فلسطين تخرج ألسنة الشياطين للعقل… أمّا حكماء لبنان فينطبق عليهم: “وعند الشيخ أجزاءً كباراً… مجلّدة ولكن ما قراها”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s