حربا السفاري..!!

حدّثتكم أمس عن (عالم السفاري)… وهو عالم فائق رائق يسير فيه كل شيء بنظام إلهي بديع، فكل الحيوانات تعرف حدودها فلا تتعداها، وعلاقة الإنسان معها طالما هو يرعاها ولا يعتدي عليها “سمن على عسل” كما نقول… وقد أطعمنا الزّرافات بأيدينا تُتلع رقابها كأنما إلى غِليّة بارتفاع الطابق الرابع أو الخامس، ثم تمدّ ألسنتها الطويلة بطول ذراع إنسان تلتهم بها ما قسم الله تعالى لها… وتصوّرت بجانب قرد له ذراع طويلة يطوّق بها عنقي محبة وسلاماً، وحين نقدته (عشرين بات) سلّمها بازدراء إلى صاحبه المنهوم كأنه يقول: “أنا مالي ولأوساخكم، فرزقي ميسور بلا ورق ولا دكاكين مما برعتم فيه يا معشر البشر الذين تحمّلتم الأمانة ظُلماً وجهالة”. رأيت الطاووس يَرفُل في الحلي والحلل، وأسراب الحمام ترافقه كأنه الملك محاطٌ بالجند، وأبصرت ماء البحيرة يوطأ أكنافه لكل أنواع الطيور والشلالات ترفدها بالموسيقى… ورأيت…ورأيت…ورأيت.

ولكنّ ما عكّر صفوي وعطّل مزاجي وراحي على حد تعبير السيد (حسين بن أبوبكر المحضار) رحمه الله تعالى، أنني وجدت الأميركان هناك أيضاً، ولا أعني هنا وفي أي مكان سبق أو سيلحق الشعب الأمريكي الطيّب المسالم كسائر شعوب الأرض، ولكن تلك العصابة الكريهة التي لوّثت أجواء العالم وبحاره وأثقلت ضمير الإنسانية بالعار، وزرعت الكراهية والبغضاء حيثما حلّت. وكان اللقاء مع الأشرار عبر عرض حيّ مغمّس بالعنف والدم الافتراضي حول (الغرب الأميركي) الذي أبيد فيه السّكان الأصليون الذين يزيّفون تواجدهم الإنسان الأصيل بالقول أنّهم (هنود حمر) استناداً إلى أكذوبة تاريخية، كما أنهم يصمون الأميركان ذوي الأصول الأفريقة بـ (الزنوج) لكي يقيمون لهم منفى في وطنهم الذي بنوه بعذاباتهم ودمائه، والذين يعود تاريخهم إلى سنوات التأسيس، فيما ثلاثة أرباع السكان ذوي الأصول الأوربية أحدث عهداً، وبعضهم لا يبلغون من (الأمركة) عدّة عقود.

كان عرض (الغرب الأميركي) في مسرح مفتوح يقف على المدخل منه (كاوبوي) يعتمر القبّعة المعروفة، ويتمنطق بالمسدّس، وتحت قدميه قتيل يرمي عليه رماد سجائره (مشهد حضاري أوّل)، وفي الحلبة نشبت حروب “القاح قيح” حيث لا يدري مقتول من قتله ولماذا قتله؟ على حد تعبير الشاعر(صلاح عبدالصبور) طبعاً مع الكثير من بُهارات (هوليوود). وانتهى العرض الممهور بالدماء والحرائق والإغراق في الآبار بانهيار المشهد على كل من شارك فيه، ولم يجرؤ سوى غراب عابر من الحديقة على إلقاء نظرة عجلى لعلّه يجد أخاً له يواريه التراب. طبعاً هذا هو الرّحم الذي لُقّحت فيه البذور التي يجني العالم ثمارها المرّة.

أما الدراما الثانية فكانت بعنوان (حرب الجواسيس)، وطبعاً هذه أرقى وأحدث وأكثر عدّة وعتاداً من حرب (الغرب الأميركي)، وقد أعد لها مسرح مهول داخل (عالم السفاري) شاركت في أحداثه طائرات هيلوكبتر وزوارق مائية بلغ من سرعتها أن قذفت المياه الصّادمة على الأطفال الصغار الذين جلبوهم من المدارس ليشاهدوا إنجازات العم (سام)، فولّوا هاربين لا يلوون على شيء، فلم يستطع خيالهم البسيط استيعاب أن هذه الحرب (تمثيلية). أما الحرائق التي اشتعلت فإن لهيبها الحقيقي كان يلفح المتفرّجين كهبّة نارية عاصفة تشبه حرائق البترول في منصات البحار الغاطسة.

ولم أرى (زوربا) منكمشاً داخل ملابسه إلاّ في هذه الحرب، مع أنه قد عاش حروباً حقيقية أكثر هولاً، ولكن ليس بهذه التقنيات، ويدو أن التايلنديين إما أنهم ينفّرون أبناءهم من الحرب، أو أنهم يعوّدونهم عليها.

على كل حال شكراً لحكّام (أميركا) فلم نعرف قيمة الجمال إلاّ حين عرفنا قبحهم… وبضدّها تتميز الأشياء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s