(زوربا) يجوس المدينة…

لم أتطرق كثيراً في الرحلة الشرقية إلى الزميل المصاحب الصديق (علي صالح محمد) الذي أسميته في رحلتي الأولى إلى (ماليزيا) و (تايلاند) (زوربا اليماني) نظراً لعشقه الساحر للحياة، ونزوعه إلى المغامرة، وولعه بما استتر أكثر من اهتمامه بما ظهر، أما كاميرته فهي السجل الناطق للرحلة، لا تفوته صغيرة أو كبيرة.

يصوّر الوجوه، ومظاهر الحياة الشعبية، ويخسر – وأنا لست مبالغاً – رُبع مخصصات رحلته على الأقل لطبع الصور وتوزيعها على أصحابها مجاناً، وهو يسعد بابتسامتهم وفرحهم كأنما هو في تجارة رابحة، وبعد ذلك تفتح أمامه الأبواب فلا يبرح الذاكرة. وبعد غياب لم يعرفني أحد ممن مررت بهم مرور الكرام، أما هو فقد كان على الرّحب والسعة حيثما حلّ وأينما طرق “اللهم لا حسد”.

قل يا سيدي أنني تناسيته (جزئياً) في ما كتبت حتى الآن كنوع من الغيرة الحميدة، أفيشتهر مرّتين في (بانكوك) الوديعة الوادعة وفي الصحف السيّارة الجامعة؟ وقل – وهذا هو الأقرب إلى الصواب – أنني طبقت قاعدة “إذا حضر الماء بطل التيمم”، فما دام أخوه الأكبر في رفقتنا – وبالأصح نحن في رفقته (سيان) – فإن المقدّمين أولى بالتقديم “ومن وجد الإحسان قيداً تقيّدا” ، ولكنني بعد لأي وتسويف انحزت إلى الإنصاف الحميد بلا وعد ولا وعيد كانت تقدح بهما عيناه، وقد جذبني أكثر اهتمامه العظيم بالأزهار والثمار وغرائب الأشجار، يتفحّصها ويتأملها كأنما يتشربها قبل أن يصيح “الله…الله”، ثم يهجم عليها بالكاميرا الأولى التي يخرجها من جيبه ثم يثني بالكاميرا الأكبر المعلقة على رقبته، وبعد قليل يفرغ ما في الكاميرتين إلى جهاز صغير محمول في الجيب يتسع لمائة ألف صورة، وقد رأيته في الطائرة فرأيت منه وفيه العجب العجاب “يا لروعة العلم والعلماء”.

وبما أن (أبو سامي) رجل منظّم غاية التنظيم – حتى أنني أسأله بين حين وآخر لكي لا ينسى: “هل أنت من مواليد (يافع) – (اليمن)، أم من مواليد (باريس) – فرنسا؟” – وهذا سؤالٌ استنكاري في موضع الإعجاب، ويرفض صاحبي هذا أن يخطو خطوة واحدة خارج الفندق إذا لم يكن هناك برنامج، وحتى إذا كان الحديث عن المستقبل المغيّب في علم الغيب، ولنقل عن اليوم العاشر من الرحلة، ونحن لا نزال في اليوم الخامس فإنه سرعان ما يبادر بالقول: “وما البرنامج؟ البرمجة يا رجال أهم شيء”، فأقول له: “لتكن برمجة مرنة، ليست فعل لازب على حد قول النحويّين، وليست سلسلة في الرقاب على طريقة السجانين… يعني مخالفة صغيرة هنا وقليل من النسيان هناك”. طبعاً لا يعجبه كلامي فيحنق قليلاً، “خلاص… تولّى أنت البرمجة يا أبو الخبرات”، وطبعاً أنا لست من العاجزين، وما فرسي مهرٌ ولا ربّه غمر، فأقول له: “البرنامج المفضل هو أن لا يكون هناك برنامج” فننفجر جميعاً بالضحك الذي يدلّك القلب وجميع وظائف الجسم الداخلية، ثم نسمع القول الفصل من قائد الرحلة الأخ (سالم صالح محمد): “البرمجة ضرورية، وحرية التغيير مكفولة إذا كانت للمصلحة العامة”. إذا فقد أفتى بما لا يقتل الذئب ولا يفني الغنم، علماً أن الحرية هي الأنسب لـ (زوربا)، فما من مرة أفلتناه إلا وجاءنا من سبأ بنبأٍ مبين، ذلك أن البرمجة لا تستنفر طاقاته الكامنة المبدعة. وقد اقترحت عليه أخيراً أن يحذف هذه الكلمة الملتبسة من قاموسه اللغوي، فقد أصبحت تسبب لي (ارتكاريا) أي حساسية شديدة، وقد أطلعته على بدائل خمس لعل الله أن يهديه فيأخذ بواحدة منها {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}.

أمس أفلتناه لأننا ذهبنا إلى المستشفى فغزا لوحده حيثما غزا متجاهلاً الحكمة اليمانية: “لا تغز إلا بقوم قد غزت…وإلاّ فخلي المغازي لأهلها”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s