عاصفة الصحراء…

قلت في زاوية الأمس أن الأسود قد تتثعلب، فالمسافر في الغربة رهين اغترابه، اغترابه اللغوي الذي يجعله يسمع دون أن يفهم أو يتفاعل، ولذلك جاء في الأثر أن من تعلّم لغة قوم أمن مكرهم، والمكر ليس بالضرورة الإساءة، وإما قد يكون عدم القدرة على تحصيل المنفعة، وهي في متناول اليد، وهذه تورث حسرتين لا حسرة واحدة، لأنك أعطيت فعميت، ووهبت وما دريت، ويترتب على ذلك أن من لمس لمس اليد غفلتك ربما فكر في الغدر بك أو التربح من وراءك على الأقل، فالإنسان بطبيعته نهّاز فرص إلا من رحم الله تعالى.

كلما   أنبت   الزمان   قناة
ركّب المرء في القناة السّنانا


وبجانب الاغتراب اللغوي هناك الاغتراب الحضاري بمعناه الأشمل: ثقافة البلد المزار وطبائع أهله، وديانتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، في مأكل ومشرب وملبس ونظرتهم إلى الغرباء والتي تتشكل عادة عبر تاريخ طويل من الاحتكاكات والنزاعات واضطراب الحضارات وتمددها وانكماشها، وما ألحقته كل واحدة منها من أضرار بالأخرى، أو ما طعّمتها به من فضائل، فالتعايش الإثني والديني والاحترام والمتبادل لا يكون بدءاً، وإنما نتيجة، ويظل الغرباء – وإن اشبهوا – موضع توجّس، لأنهم قد يفسدون العجائن الهشة في أي بلد، وتأتي التربية هنا لتطمئن من المخاوف، ففي المدارس يصنع الإنسان الجديد، ولا بد من جهود معلمة لكي يتوافق البيت مع المدرسة، وهذه رؤية الحكماء والقادة الفهماء لا رؤية الدهماء الذين يعبدون كل رسم موروث، ويشنّعون على كل فضل غير مألوف… يا إلهي… كم يحتاج الإنسان من جهد لكي يخرج من جلده، ولكي يرى بعينه فأكثر الناس يبصرون ولكنهم لا يرون.

في مستشفى (بانكوك) حيث أجريت الفحوصات أنا وصاحبي صادفنا ثلّة من الأطفال العرب الصغار ضمن عائلة مُراجعة، وقد أحالوا ذلك الركن الأنيق الهادئ من المستشفى – الذين يرين عليه هدوء المعابد ونظام طيران الفراشات – إلى ساحة للضجيج والجري وراء بعضهم ورمي علب المشروبات وأكياس المقرمشات كيفما اتفق، وزحزحة الكراسي من أماكنها مع الاصطدام المحتم مع بعض المرضى والممرضات، ومع ذلك فإن العائلة – وفيها الأب والأخ الكبير والأخوات والأم – بدوا جميعاً غير معنيين “صمٌّ بكمٌ”، حتى إن الجدة العجوز كانت تقبّل بحنان كل من يمرّ بها ثم تدفعه إلى ساحة المعركة وعيناها تكادان تغرورقان من شدّة الإعجاب، قال لي (سالم صالح): “شرّ البليّة ما يضحك، ماذا نستطيع أن نفعل، هل ننصحهم؟”، قلت له: “إن ما لم يفعله البيت والمدرسة لن تفعله النصيحة، وقد تأخذ الكبار – المتغافلين – العزّة بالإثم فنسمع منهم ما لا يسرّنا”. الكادر التمريضي – الذي لا ينطق إلاّ همساً، ولا يسير إلا لمساً – أظهروا من عظيم الصبر ما تنوء بحمله الجبال، حتى انقشعت العاصفة القادمة من صحراء العرب، فتنفّس الجميع الصَّعُداء.

المستشفى مدينة طبية متعددة الصروح، يسعى فيما بينها بعربات نقل خاصة، وقد وصلت التخصصات إلى تفاصيل التفاصيل، وقد تسلّحوا للعرب بعشرات المترجمين والمترجمات من الأقلية الإسلامية والذين تلقوا علومهم وتشربوا لغة الضاد في الأزهر بمصر وفي الأردن والسودان والكويت، وحيثما دخلت على طبيب وجدت واحداً منهم قد سبقك، ولم ألحظ أي تمييز بين أتباع (بوذا) وأتباع (محمد صلى الله عليه وسلم)، فهم متساكنون يحترمون بعضهم البعض، والإبتسامات المشبّعة بالأدب هي الرسول فيما بينهم، أيضيرنا أن نقول كلمة الحق حتى وإن ساءت الذين يبحثون عن المثالب وينقّبون عما يفرق لا عمّا يؤلف؟ وإلى الغد…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s