وقد تتثعلب الأسود..!!!

وصل الطيران المدني الحديث العابر للقارات إلى مستويات من الأمان ووسائل الترفيه غير مسبوقة، تستطيع القول أنك تنزل في الطائرة ضيفاً بخمس أو بسبع نجوم، هذا في حالتنا نحن المساكين ركّاب الدرجة الاقتصادية، فكيف حال أصحاب المعالي وأرباب الهوى من ركّاب صالونات الدرجات الأولى، الذين يعلّقون البطاقات الحمراء كأنها أقراط المرجان في آذان حقائبهم، ثم يدثّرونهم على كراسيهم كالأطفال الرضّع خوفاً عليهم من الحرّ والقرّ. ومع ذلك نقول أنه من جاور العطّار أنس شذى المسك، فما بين الدرجتين ليس من فاصل سوى قطعة قماش، وبإمكان أولئك الذين “حيثما حلّوا ظلّوا” – ليس من الضلالة وإنما من الاستئناس إلى فيّ الظل في قائضة الهجير – أن يناموا منذ لحظة الجلوس، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. كما إن فساحة الحلم غير محرّمة عليهم، ولهم أن يتخيّلوا أنفسهم أو يتمحلموا كأنهم في الـ (في آي بي) يرفلون في أبهة الشرف الذي لا يناله إلا كل ذي حظٍّ عظيم. كم تمنّيت أن (ابن بطوطة) يُبعث من مرقده ليرى ما أنجزه عظماء البشر لمصلحة الناس جميعاً.

وقد كان ذلك محور واحد من الأحاديث بيني وبين جليسي في الدرجة الاقتصادية (علي صالح الظيآني)، فتوافقنا على الثناء على الروّاد في كل مضامير الإبداع وتيسير الحياة، وتوسيع آفاق الحواس، حتى أصبح علماء اليوم يرون ما وراء النجوم، ويخترقون الأرض بأجهزتهم وإشعاعاتهم ليروا ما في بطنها من ثروات مرصودة، وكنوز محروسة، كما أنهم يتنصّتون على همس المجرّات، وما يأتي من أعماق الكون من إشارات، كما توافقنا على نبذ الهمّازين المشّائين بنميم، ممّن يسخرون من التقدم الإنساني، بينما هم يتمرّغون في ترابه، ولا يستطيعون الإستغناء عنه ولو لثوان. وخذ مثلاً لذلك التلفونات المحمولة بما تنطوي عليه من عوالم جعلت من الكرة الأرضية نبضاً واحداً، ودويّاً خالداً:

وتركك  في  الدنيا دويّا iiكأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر

أترى (المتنبي) كان يحلم بمثل هذا العالم الذي نعيشه… ربّما.

كنت وصاحبي على متن (الطيران التايلاندي) الباسم، نتجاذب أطراف الأحاديث كـ (جميل بن معمّر) صاحب (بثينة) وأصحابه، بعد أن أدّوا فريضة الحج، ولعلّ الله تعالى يتوب عليه بالشفاء من الحب الذي ابتُلي به بنو (عذره) دون العالمين:

فلما قضينا من مِنى كلّ iiحاجةٍ
ومسّح بالأركان من هو iiماسحُ
أخذنا  بأطراف الأحاديث iiبيننا
وسالت بأعناق المطيّ الأباطِحُ

جميل هذا السيل الحيّ، ولك أن تتخيل قافلة من مئات الجمال تسير كأنها قطار، رقابها ممدودة بالتتابع كالجسور، وهي تمشي الهوينى، يُسكرها الحُداء حيث أنها مشوقة إلى ديارها ومرابعها، وراضية من معيشتها بالنباتات الشوكية وما تيسّر من ماء “جملٌ محّمل زبيب وأكله دَردَر”، أو:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء  فوق  ظهورها  iiمحمول

الطائرة الحديثة قافلة، وربما أكثر في محمولها ومشمولها، أما في قطعها للفيافي والبحار فلا مقارنة، وفي مخازنها مما لذ وطاب، ما لم يكن يحلم به (هارون الرشيد).

وحين أخذت طائرتنا تنزل عن متون السّحب نزولاً متدرجاً نحو الأرض استعداداً للهبوط، رأينا مسطحات مائية هائلة في ضواحي (بانكوك) الزراعية، وهو منظرٌ لا يمكن تخيّله في بلاد العرب، وهذه من مخلّفات موسم الأمطار الذي لم نلحق منه سوى الرّذاذ في شتاء هو أقرب إلى الصيف من الصيف لنفسه. وهكذا خرجنا من الطائرة شمّ الأنوف، كما تخرج الأسد من غابها… ولكن مهلاً… فقد تتثعلب الأسود… إلى الغد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s