أبوظبي- دبي

استعجلت أمس في الوصول إلى مطار دبي والحديث عنه، على الرغم من أنه آية واجهة لمدينته التي أنجبته، فالولد سرّ أبيه كما يقال، ومن شابه أباه فما ظلم، ولكن الطريق من أبوظبي إلى مطار دبي (150 كم) له قصة تستحق أن تُروى، وسمّها سياحة أو سياسة أو تنمية اقتصادية أو ما شئت وشاء لك الهوى، فالحضارة لا يبنيها عنصر واحد مهما عظم شأنه، ولكن بعض مكوناتها تكون بمثابة القاطرة التي تسحب عربات القطار، ومع ذلك فإن الأولويات تتمايز ثم تتبادل المواقع من دوران العجلة، فما كان قاطرة ساحبة قد يصبح عربة مسحوبة، وفي الأخير فإن ما يشغل بال الجميع هو استمرارية القطار في حركته وسرعته، لأنه إذا توقف توقف الجميع، وأصبح شاغلوه الذين كانوا يأنسون إلى الحركة ويكيّفون حياتهم على دورانها، يأنسون إلى السكون والصمت الرهيب حتى ينسون من كانوا وما كانوا فيتحدثون عن آبائهم الأولين وينسون من هم، وفي تلك اللحظة الغافلة – كما هو الحال في سباق التتابع – يتلقف العلم من أيديهم قوم آخرون يواصلون سباق المضمار غير آبهين بذلك اللاهث الذي رمى نفسه على الأرض، {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، فإذا جاءت أيامك أقدم إقدام الأسد إذا جاع، لأنها ستنقاد بشعرة، أما إذا أدبرت فتلحّف بجلد الثعلب وقل مثلما قال حين عجز عن الوصول إلى العنب “إنه حِصرِمٌ لا يطاق” لأنها في حال الإدبار تقّطع سلاسل الحديد.

عرفت طريق (أبوظبي – دبي) أو تعرفت عليه وعبرته للمرة الأولى عام 1976م، وكنت قد ذهبت إلى هناك بدعوة كريمة من وكيل وزارة الإعلام آنذاك الأستاذ (عبدالله النويس) الذي تزاملنا في جامعة القاهرة وتخرّجنا سوية، فعاد هو إلى الإمارات حيث يوجد شيخ العرب (زايد بن سلطان آل نهيان) الذي كان يبتهج ويحتفي بأي خرّيج، ويفسح أمامه الطريق ليفيد ويستفيد، ويكون عوناً لأهله وبلده، أما أنا فذهبت إلى عدن في زمن تعتبر فيه شهادة التخرّج من الجامعة تهمة تستحق العقوبة، وقد فصّلت بعضاً من أجواء تلك المرحلة الاستثنائية في كتيّبي (دفاتر الأيام) لمن أراد الإستزادة.

مالنا ولهذا، فتلك أمة خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ولنعد إلى الطريق الذي كان بدائياً بخطين في اتجاهين، لا يفصل بينهما فاصل، ومن نافلة القول أنه كان غير مضاء وغير مشجّر، وتهدد الجمال السائبة حياة الركاب والسائقين، وأجاركم الله مما يفعله ثقل الجمل المتهاوي حين يسقط على سيارة مسرعة قادها سوء حظها إلى أحضانه، حيث يحيلها إلى كتلة مفتوتة فتاً، لا تستطيع أن تستخلص منها معدن السيارة من لحوم الركّاب. وأذكر أنني عبرته في الظلام عقب المغيب بساعات، فكان يخيّل لي من شدة الحلكة أنني أرى جبالاً تكاد تصطدم بي، أو أنني سأصدمها، وقد تبيّن بعد ذلك أن هذه الأخيلة هي نتيجة نعاس يصدره مرض السكري، الذي لم أكن قد اكتشفته.

المهم ما أصبح لا ما كان، ولكن الأشياء تتميز بضدها، فأنت الآن تعبر في (أوتوستراد) بالغ السعة (عشر سيارات في الاتجاهين)، مضاء على امتداده ومشجر بغابات تسافر من الطريق إلى العمق، و (دي لوكس) التأثيث، وعلى جانبيه مدن حديثة تؤطرها مآذن المساجد ومجمعات الخدمات العامة، أما حين تصل إلى شارع الشيخ زايد في (دبي) فذلك معناه أنك قد دخلت أرض العجائب وتفوّقت على السندباد…. إلى الغد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s