يا بِسِرّ القات..!!

أدرك المغني منذ وقت مبكر أن للقات سره الباتع في الاستحواذ على قلوب وعقول وجيوب الناس، وإذا قال المغني فصدقوه،

وكان ذلك أيام «دار سعد» على حدود الشيخ عثمان بعد عبور النقطة «نمبر ستة» وهي شهيرة جهيرة، وخاصة في زمن «ابو زربين» وهو الاسم التنظيمي للقات، فمن الواجب تدليله بما يحب من الأسماء مقابل النشوة التي يمنحها «للمساديح» في ظلال أغصانه التي تتحدى قدود الحسناوات، ممن يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به، ويقال: إن «أبو زربين» هو أحد أولياء الله الصالحين، وقد عثر على نبتة القات في البرية قبل أن تستوطن المزارع وتتبودر فتذوقها ووجدها سائغة ثم اكتشف سرها الباتع في التنشيط والإسهار واستجلاب الافكار والاذكار فاستعان بها على قيام الليل وأسماها «قوت الصالحين» ثم تحرفت الكلمة مع مرور الزمن الى «قات» وقد يضاف لها اللام بعد حين من الدهر فتصبح «قاتل» بسبب الكيماويات التي جعلتنا – والحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه – في مقدمة المتسرطنين في العالم، ومن طلب العلى سهر الليالي، وفي رواية أخرى جمعت بين «أبو زربين» والأغنام، فقد كان كعادة الاولياء الذين يسيرون على خطى الأنبياء حذو الحافر للحافر، يرعى الاغنام، فلاحظ ذات يوم بعد أن أكلت من قات البرية أن مزاجها قد راق فبركت على الارض والتفت الساق بالساق، فتعجب أبو زربين من امرها، وخشي ان يكون مرض قد اصابها، وهي قوام معيشته في هذه الدنيا الفانية، ولكنه اسلم امره لله، واخذ يتأملها تسبح في الملكوت وقد نسيت النشاط والكد في طلب الرزق، ولكنها في اليوم التالي عادت إلى وضعها الطبيعي، واخذت تبحث عن الشجرة المحرمة، فقد أصبحت شبه مدمنة، وهكذا وجد أبو زربين قوته، وفي مستعمرة عدن التي كانت عامرة بالنشاط الاقتصادي في خمسينات وستينات القرن الماضي، كان القات سلطان العصاري وملك المكيفات (من الكيف) فترى الناس من عامة الشعب منسدحين على قعائد الحبال في الشوارع وقد نشطوا للكلام والإفتاء في الفاضي والمليان، حتى إذا أزف المغرب «الساعة السليمانية» يتراءون لك كالأشباح «سكارى وما هم بسكارى» وكان قات عدن يأتي من الحبشة وليس من الداخل اليمني تحمله طائرتان يومياً بقيمة مليون شلن شرق أفريقي بما يساوي اليوم ربما ما بين خمسة وعشرين وخمسين مليون ريال، ثم عن للإنجليز منعه وكان أمراً نافذاً فعبر «الموالعة» نقطة «نمبر ستة» حدود ما بين لحج وعدن إلى دار سعد التي سرعان ما انتعشت بسر القات ودبت فيها حركة التأجير وبيع لوازم أبو زربين من تبغ ومدائع وتوابعها، ولم يكن للإنجليز سلطة قانونية على تلك البقعة، وكان أجود أواع القات الهرري والقدا والبستاني ذلك الذي كان يستورد إلى عدن، وأظن أن بداية إحلال القات اليمني كانت في تلك الفترة ومصائب قوم عند قوم فوائد، وقد غنى له آنذاك الكوميديان الشهير فؤاد الشريف من ألحان محمد مرشد ناجي ولا أتذكر كاتب الكلمات فهم عادة مظاليم في الشهرة: يا أبو زربين.. هاتهم بس هات.. يا بسر القات.. وكانوا يأتون الى الدار زرافات ووحداناً.

آخر اخبار قاتنا أو «قاتلنا» أن مساحة زراعته تضاعفت 13 مرة بين عام 1970 – عام 2000م وأن عائد الهكتار منه 2.5 مليون ريال في العام وأنه يستهلك ثلث كمية المياه الجوفية في اليمن السعيد «عطشان يا صبايا»، نحن نستهلكه وهو يستهلك أوقات عملنا بمقدار 25٪ من وقت العمل، وبيننا وبينه «يا قاتل يا مقتول».

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s