كل خميس:مع صالح البعداني

لحظات من المتعة والعذاب عشتها مع زميلي صالح البعداني – بعادنة رداع- وكنا سوية ندرس في القاهرة..

كان البعداني وسيما قسيما بعينين تفتنان النساء ولووجد مثل ذلك الوجه الذي لم اعرف ماذا فعل به الزمن بعد اربعين عاما على ايام التشدد لالزموه بلبس اللثام اذاخرج الى الاسواق كما فعلوا بالمقنع الكندي وكما اظن -بقتيل الصندرق وضاح اليمن الذي شبه رائينا الحكيم عبدالله البردوني في يمننا به في تلك الفترة من سبعينات القرن الماضي في قصيدته «ابو تمام وعروبة اليوم»:

ماتت بصندوق وضاح بلا ثمنِ

ولم يمت في حشاها العشقُ والطربُ

لكنها رغم بخل الغيث ما برحت

حُبلى وفي بطنها قحطان أو كرب

المهم ان صاحبي البعداني الذي لم تسلم وسامته من ثلم لا ينفع معه الجرح أو التعديل حيث كان مصابا بنوع من شلل الاطفال نغص عليه فروسيته وشخصيته الطاغية بدون تنفير، لم ير في يمنه لا قحطان ولا كرب ولا حتى ذي جدن النواحة الشهير وكان قد عاد قبلي الى صنعاء واستضافني ذات عبور في طريقي الى عدن على متن احدى الطائرات العسكرية المجانية التي كانت دائمة الاقلاع لشؤون وشجون التواجد المصري في اليمن ايام الحرب الضروس عقب ثورة 62م وفي منزله المستأجر في شارع القصر او شارع جمال في العاصمة وبعد الترحيب والتأهيل والتسهيل و«الذي منه» مما تيسر من الاكل والشرب فقد كانت صنعاء مثل القرية في تلك الايام الستينية لا تجد فيها مطعما بعدالثامنة مساء والعساكر في كل مكان ولكنهم يتلطفون بالناس ويتلطف الناس بهم، فالجميع اولاد قرية قلت للبعداني: ما تلك الاكياس «الجواني» نصف الفارغة هنا وهناك تلوح لي خيالات على ضوء السراج الضعيف فقال: هذه رواتب اخوك صالح ثم عصر شنبه الكثيف الحالك السواد -آنذاك- قلت له: رواتب.. كيف؟

قال: زلط.. اي فلوس- مافيش يعني «سَبَار» اي تموين من المعونات يابن النقيب، اخوك صالح البعداني بعرجته يحمل راتبه على كتفيه ويتعفر بكل هذا الهباء يا لمنظري في الشارع وانا اسحب واسحب راتبي بعد عزّ القاهرة ونفحات العطور قلت: هانت يا بن البعداني، وبعد الشتاء يأتي الربيع ضحك بوحشية وهو يقول لي هانت يا مفتري انا ابن العداني تركت أمريكا و«الجرين كارت» واهلي يفارعوني وانا الف عفريت راكب رأسي اقول لهم: اسيب اليمن لمين اسيب اليمن لمين يا ابن النقيب وقد اغرورقت عيناه بالدموع من الالم والخيبة وغياب المعنى ثم قام وسكب ما في الاكياس من طحين وسكر وبر على الارض ثم عقب بالزيت والسمن ثم اخذ يعرعر ل«يمنه» ذلك ان كل واحد منا لديه يمنه كما يبدو وكل واحد حر في موزه كما يقول سمير غانم ثم انفجر بالبكاء قبل ان يستعيد رباطة جأشه ويقدم «بالعرعرة» اي سب العار على الطريقة العدنية مرة ثانية ليمنه يا له من منظر لم يفارق ذاكرتي بعد ان رمى نفسه الى ذلك الخليط المدلوق وقام مثل «غرتي المرماده» الذي يتابع في اكوام الرماد روائح الدسم هدأت خاطره بعد ان اغرورقت عيناي بالدموع انا ايضاً وعرفت ان صالح البعداني المصدوم قد طلقها ثلاثا وفعلا لم اعثر له على اثر حتى اليوم ما كان أجمله وأطيب روحه وأوسع آماله وأملي ان يكون كما قال الشاعر:

ولربّ ضائقةٍ يضيق بها الفتى

ذرعاً وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فرجت وكنت اظنها لا تفرج

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s