الشمعة

لكم فتنت بتلك الرائعة القوام، الباهية الأنوار، كما فتن غيري منذ أقدم العصور، حيث الشموع ربيبات القصور، تتخذ من الشمعدانات الفاتنة الصنع التي يتفنن في صياغتها أمهر الصناع عروشاً لها بجانب عروش الملوك والملكات، وفي المعابد والكنائس تعكس الشموع نور الإيمان في عيون المؤمنين الذين يرون في ظلالها مايرون في الرحمات المتنزلة والايحاءات المعبرة، والإلهامات المنحدرة، وفي الليالي الرومانسية والسهرات الاستثنائية تعمد فنادق النجوم الخمس والمطاعم الراقية الى قطع نصف المسافة الى الهدف بتلك الشموع البيضاء الدامعة دون ضجة.

ولم يرتبط بمثل هذا البهاء وقوة الإيحاء اي رمز آخر من رموز الإنارة على كثرتها وتعدد عصورها وارتقائها الذي وصل الذروة بالكهرباء التي أحالت ظلام المدن والقرى الى «شموس ليلية» مؤنسة وهادية.

لكأن الشموع هن الصبايا في ميعة العمر ومهرجان الجمال من أولئك اللواتي عناهن الشاعر والمغني بقوله:
إنما العيش والصبا قبل أن
ينجم نهد أو أن يدب عذار

وهل تحتمل الشمعة الهيفاء بروز نهدٍ أو دبيب عذار؟ انما هي الدمعة الصافية والبسمة الشفيفة والحزن الهادئ المعتق، ولكن هل الأمر كله على هذا النحو؟

لقد كدت اذهب ضحية شمعة سقتني من جمالها وعلقتني في حبالها السماوية، وأوحت لي بلذيذ المنام ثم غدرتني كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا.. نديم ولم يسمر بمكة سامر.

وقصة ذلك انني عدت الى فندق بالمنصورة بعدن بعد مجلس قات رمضاني معتبر، لاتدري أهو أخذ بناصيتك فهو يسيرك بـ«الريموت كنترول» ام انك استحوذت عليه فانتما تسيران في هضاب الوهم ووديان الأحلام يداً بيد. المهم جئت والفندق يسبح في حنادس الظلام، وليس لديه مولد كهربائي احتياطي كما يفترض في مثل هذه المنشآت التي تبحث عن الربح ولاشيء غير الربح، مع ان الحياة اخذ وعطاء وحق وواجب، وكل شيء بثمنه كما يقال، صعد معي فتى الاستقبال بالشمعة الحزينة التي أنست اليها وانستني احتجاجاتي، ثم ثبتها على الثلاجة الصغيرة- الديكور- لأنها لاتعمل ومضى، قلت لنفسي: سأنتظر قليلاً لعل الكهرباء تطل من عليائها، فأواصل قراءة مذكرات الاستاذ احمد محمد نعمان التي فتنتني بأحداثها ونظرات صاحبها، ويبدو انني مابين نور ونور قد غفوت، عقب تأملي من الشباك المطل على خرابة لرجل يشعل النار في قمامة مكومة عالجها طويلاً قبل ان تستوي ناراً ودخاناً كاد ان يختفي على البعد فاغلقت النافذة، قل معي ياسيدي انني لم أفق أو أفوق من الغفوة إلاَّ على جلبة هائلة في الغرفة وحريق يلتهم الثلاجة التي اتضح انها مصنوعة من البلاستيك وعليها التلفزيون، أما عن الدخان فحدث ولاحرج، ويبدو انني قد شربت منه ماشاء الله أن اشرب، فحين افاقوني لم أكن في وعيي حتى انني قلت لنفسي: ما أحلاها من موتة لولا النواعي.

قل ياسيدي نجينا من جحيم الشمعة التي لم تجد نارها ماتأكله فأكلت الثلاجة ولولا عين القدر لأكلت الغرفة وصاحبكم، معظم النار من مستصغر الشرر، ولأن شر البلية مايضحك أو كما يقال «الناس عند الناس والقطة عند الرأس» فقد اصبح الموضوع:
من يدفع ثمن الثلاجة؟ بسيطة.. وبسيطة جداً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s